وانتظر عبد النبي أفندي متلذذا وامرأته تهضم انبهارها، وقلبه يرفرف بالفرحة وهو فخور بالنيل الذي أدهش تفاحة - وما كان شيء يدهشها - وكأن ذلك البحر نيله، القاهرة بحالها إحدى ضياعه.
وقبل أن تستيقظ تفاحة من غفوة الدهشة التي انتابتها، عسعس عبد النبي أفندي بلا وعي في جيبه، فعثر على حبة حمص كانت باقية، فألقى بها بلا وعي أيضا في فمه، وخلع طربوشه نهائيا، وأمسكه في يده، فبان شعره الخفيف المنكوش الذي لا يفلح في إخفاء صلعته، وقال بصوته الفرحان، وهو يحاول نفخ كرشه المتواضع، ويمد الكلمات، ويجد السعادة في مطها والركون عند أواخرها: وادي يا ستي، قصر إسماعين باشا.
وابتلع عبد النبي أفندي ريقه، وأخذ يحرك حافة الطربوش بين أصابعه وكأنها مسبحة، ومصمص ما تبقى من الحمصة في ضرسه الوحيد الذي نخره السوس، واستعد للشرح، وفعلا بدأ يتكلم، ولكن تفاحة كانت قد رأت لحظتها الكوبري العريض الذي تمر عليه عربات بأكملها، ثم يسع الناس بعد ذلك أيضا. ولم تنتظر ما يقوله، وإنما انطلقت كالمشدوهة ناحية الكوبري، ولحقها عبد النبي أفندي وهو يداري سخطه غير يائس، ولم يتوقف لتسأله، وإنما انطلق من نفسه يروي لها قصة الكوبري، ويشير إلى الأسدين الرابضين، والتمثال الذي في نهايته، ويمسح رذاذ كلامه بالمنديل، ثم يعود يضعه حول ياقة سترته، ويدق بعصاه - وكانت له عصا - على الأسفلت ليريها متانته، وتنحني، فينحني معها على الحاجز، ويستمر يتكلم وهو يريها الماء الذي يمور ويفور ويتموج.
وأخيرا نطقت تفاحة، سألته: اللا يا عبده، صحيح البحر ده مالوش قرار؟
وأجاب عبد النبي أفندي أنه بالتأكيد له قرار، فلم تصدقه، بل وتاهت عن نفسها وعنه وخيل إليها وعيناها تتابعان الموج في شغف أن الكوبري يتحرك بها ويتراجع، وعادت تحدق في الكوبري وقصر النيل، واطمأنت إلى أن كل شيء ثابت في مكانه لا يسير، وتعجبت أكثر، ثم تاهت مع الماء مرة أخرى.
وفجأة، جأرت بكلمة سمعها عبد النبي أفندي صرخة، فارتاع، ووقف ينظر إليها ضائع العقل، واستمرت هي تصرخ وتقول: الحق، حوش يا جدع.
ولم تسعفها الكلمات، فلكمت كمية الدهن القليلة التي تصنع جنب عبد النبي أفندي، وقد تشنج فمها وتصلبت أطرافها، وودت من صميمها أن ينفذ لها عبد النبي ما تريده قبل أن يرتد إليها رمشها.
وكان هذا ما يضايق عبد النبي فيها فما أكثر ما كانت تدفعه وتصيح فيه، وتشده، طالبة منه أن يفعل شيئا دون أن تقول ما هو ذلك الشيء، ويقف عبد النبي لحظتئذ حائرا نافذ البال، وكأنه أعمى يريد أن يلضم إبرة. - يا شيخ اتحرك، الله، الحق يا عبد النبي، يا ستار يا رب، يا رب استر، استر يا رب.
ودبت على صدرها وابيض وجهها وكاد يصفر.
وعلى قدر ما استطاع اتجه عبد النبي ببصره إلى حيث كانت تنظر، فما وجد شيئا غير ما توقع أن يجد، ولكن إلحاح زوجته وقرصاتها ودفعها، جعلته يكذب نفسه، وتتقارب أجفانه، ويتلاصق حاجباه العريضان الخفيفان صانعين تجعيدة مفرطحة فوق أنفه، محاولا أن يجد ذلك الشيء الذي أرعب تفاحة فأرعبته.
صفحه نامشخص