چهل حدیث
الاربعون حديثا
لكل قسم من القلوب الأربعة مراتب ودرجات ، سواء كان من ناحية الشرك والنفاق أو من ناحية الإيمان والكمال . ومن الظاهر أن هذا التقسيم للقلوب يكون على أساس تبلورها وتحركها حسب التحرك المعنوي دون التحرك من منطلق الفطرة والسجية ، حتى لا يحصل التهافت والتضارب بين هذه الرواية التي تقسم القلوب ، وبين أخبار الفطرة التي تقول بأن كل مولود يولد على فطرة التوحيد ، وإن الشرك والنفاق طارئان وعرضيان ، وإن كان من الصحيح القول بأن الشرك والنفاق من الفطرة أيضا على ضوء بعض البيانات حيث نجما في ظل ظروف تربوية واجتماعية خاصة من الفطرة من دون أن يؤدي مثل هذا الكلام إلى الجبر المستحيل كما لا يبقى مجال حينئذ للتضارب بين روايات الفطرة وهذه الرواية التي نحن بصدد شرحها .
ولكن الاحتمال الأول مصدر أقسام القلوب التحرك المعنوي هو الأقرب إلى البرهان والأصوب إلى الاعتبار . وقد سبق منا القول بأن الإنسان ما دام موجودا في هذا العالم عالم الهيولى والتغير والتبدل الجوهري والصوري والعرضي يستطيع أن ينقذ نفسه من كل مرتبة من مراتب النقص والشقاء والشرك والنفاق ، ويبلغ بها مراتب الكمالات والسعادات الروحية والروحانية .
ولا يتضارب هذا المعنى المذكور ، مع الحديث المعروف «الشقي شقي في بطن أمه» (1) لأن الحديث الشريف لا يدل على أن السعادة والشقاء ذاتيان للإنسان غير قابلين للجعل بالجعل المركب بل يدل على معنى ينسجم مع الدليل والبرهان ، حيث ثبت في محله أن الشقاء عائد إلى النقص والعدم ، والسعادة إلى الكمال والوجود ، وإن ما يمت إلى الشجرة الطيبة الوجود فهو من الذات الحق المقدس ، إما على أساس طريقة أفضل المتأخرين ، وأكمل المتقدمين ، نصير الملة والدين خواجة نصير الدين الطوسي قدس الله نفسه ، من تسلسل الأسباب والمسببات . وإما على أساس طريقة أعظم الفلاسفة بصورة مطلقة الشيخ صدر المتألهين من الظاهر والمظهر والوحدة والكثرة . وإن ما يعود إلى النقص والعدم فهو من شؤون الشجرة الخبيثة الماهية التي هي دون مستوى الجعل .
ونستطيع أن نقول بأن المقصود من «بطن الأم» الذي تستند السعادة والشقاء إليه ، حسب ما ورد في الحديث الشريف ، هو عالم الطبيعة المادية ، حيث يكون اما لكل شيء مادي ومشيمة لتربية ما هو من الطبيعة ، ولا نستطيع أن نفسر بطن الأم حسب المتفاهم لدى الناس من رحم الأم لأن الظاهر من الرواية هو السعادة الفعلية في بطن الأم ، مع العلم بأن السعادة التي تعد من الكمالات والفعليات ، لا تتوفر للنفوس الهيولائية على نحو الفعلية فعلا ، وإنما الاربعون حديثا :470
صفحه ۴۶۹