إن نقاء الفلسفة يجب أن يكتسب اليوم بمسايرته لنقاء العلم. إنهما شيئان لا ينفصلان، ولكنهما ليسا شيئا واحدا؛ فليست الفلسفة علما خاصا يسير مع العلوم الخاصة الأخرى! وليست الفلسفة علما يتوج غيره من العلوم وينشأ عنها، وليست الفلسفة علما يضع الأساس لغيره من العلوم التي نحصلها بالبناء على هذا الأساس.
الفلسفة مرتبطة بالعلم، وتفكر في الوسط الذي تفكر فيه العلوم الأخرى. وبغير نقاء الحقيقة العلمية لا يمكن بلوغ الحقيقة الفلسفية.
للعلم دولته الخاصة، وهو يسترشد بالآراء الفلسفية التي تنمو في جميع العلوم، وإن تكن هذه الآراء ذاتها لا يمكن تسويغها تسويغا علميا.
إن أملنا الحديث في وعي الحق لم يصبح ممكنا إلا على أساس علوم القرن الماضي، ولكن هذا الأمل لم يتحقق بعد. والعمل المطلوب لتحقيقه هو من بين الحاجات العاجلة جدا للخطة التاريخية الحاضرة.
يجب أن يتضافر البحث العلمي مع الفلسفة لهدايتنا إلى الطريق التي تؤدي إلى الحق الأصيل، فيقفا معا في وجه انحلال العلم إلى تخصصات لا رابطة بينها، وفي وجه الخرافة العلمية عند الجماهير، وفي وجه السطحية التي جلبها إلى الفلسفة الخلط بين العلم والفلسفة.
5 (1-6) الإيمان بالاتصال الذي لا يحد
لقد نشأ بين الناس نوع من التماسك قلما جعل الاتصال بالآخرين حالة خاصة، ودام هذا التماسك حتى العصر الحاضر، وذلك بفضل صحة مبدأ عام تخلل الحياة اليومية كلها، صحة لا شك فيها. واستطاع الناس أن يقنعوا أنفسهم بقولهم: إننا نستطيع أن نصلي معا، ولكنا لا نستطيع أن نتكلم معا. أما اليوم ونحن نستطيع حتى أن نصلي معا، فقد أمسينا في النهاية على علم تام بأن الإنسانية تتضمن نوعا من الاتصال لم يحتفظ به الإنسان.
إن الوجود الظاهر يتفتت بتعدد مصادر الإيمان، وتعدد الصور التاريخية لمجتمعاتنا، حيث لكل منها أساسه الخاص به. وأما الشيء الوحيد الذي نشترك فيه اشتراكا كليا، فهو العلم والتكنولوجيا كما يتمثلان في ضروب الإدراك العامة. وحتى العلم والتكنولوجيا لا يتوحدان إلا في وعي عالمي معنوي. أما من الناحية العملية فهما أسلحة فتاكة ووسائل للاتصال في آن واحد.
كل شيء حقيقي لدى الإنسان تاريخي، ولكن العقيدة في التاريخ تعني أيضا تعدد التواريخ؛ ومن ثم كانت الفروض الأساسية للاتصال الحقيقي هي ما يأتي: (1)
أن يهتم المرء بما هو مختلف في التاريخ، دون أن يكون كاذبا بالنسبة لتاريخه الخاص. (2)
صفحه نامشخص