أقضية رسول الله ﷺ

أقضية رسول الله ﷺ

ناشر

دار الكتاب العربي

محل انتشار

بيروت

مناطق
اسپانیا
•
امپراتوری‌ها و عصرها
عباسیان
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ترجمة المؤلف
هو الإمام الحجّة محمد بن فرج، أبو عبد الله مولى محمد بن يحيى، المعروف بابن الطّلّاع، القرطبي الفقيه المالكي، مفتي الأندلس ومسندها في الحديث.
ولد في سلخ ذي القعدة سنة أربع وأربعمئة.
ذكره ابن بشكوال فقال: بقية الشيوخ الأكابر في وقته، وزعيم المفتين بحضرته.
روى عن: يونس بن عبد الله القاضي، ومكي بن أبي طالب، وأبي عبد الله بن عابد، وحاتم بن محمد، وأبي عليّ الحدّاد الأندلسيّ، وأبي عمرو المرشانيّ، ومعاوية بن محمد العقيليّ، وأبي عمر ابن القطّان.
قال: وكان فقيها عالما، حافظا للفقه، حاذقا بالفتوى، مقدّما في الشّورى، مقدّما في علل الشّروط، مشاركا في أشياء، مع دين وخير وفضل، وطول صلاة، قوّالا بالحقّ وإن أوذي فيه، لا تأخذه في الله لومة لائم، معظّما عند الخاصّة، والعامّة يعرفون له حقّه. ولي الصّلاة بقرطبة، وكان مجوّدا لكتاب الله. أفتى النّاس بالجامع، وأسمع الحديث، وعمّر حتّى سمع منه الكبار والصّغار، وصارت الرّحلة إليه. ألّف كتابا في أحكام النّبيّ ﷺ قرأته على أبي ﵀ عنه.
تفقه على مذهب الإمام مالك وأصحابه حتى حذق الفتوى وبرع فيها، وصار مقدما في الشورى، عارفا بعقد الشروط وعللها، ذاكرا لأخبار شيوخ بلده وفتاويهم، مشاركا في أشياء من العلم، مع خير وفضل ودين.
وقال القاضي عياض: كان صالحا قوّالا بالحقّ، شديدا على أهل البدع، غير هيوب للأمراء، شوّر عند موت ابن القطّان، إلى أن دخل المرابطون فأسقطوه من الفتيا لتعصّبه عليهم، فلم يستفت إلى أن مات.
سمع منه عالم كثير، ورحل النّاس إليه من كلّ قطر لسماع «الموطّأ» ولسماع «المدوّنة» لعلوّه في ذلك.
وحدّث عنه أبو عليّ بن سكّرة، وقال في مشيخته الّتي خرّجها له عياض: سمع يونس بن عبد الله بن مغيث، وحمل عنه «الموطّأ» و«سنن النّسائيّ» . وكان أسند من بقي، صحيحا،

1 / 5

فاضلا، عنده بله تامّ بأمر دنياه وغفلة. ويؤثر عنه في ذلك طرائف. وكان شديدا على أهل البدع، مجانبا لمن يخوض في غير الحديث.
وروى اليسع بن حزم عن أبيه قال: كنّا مع ابن الطّلّاع في بستانه، فإذا بالمعتمد بن عبّاد يجتاز من قصره، فرأى ابن الطّلّاع، فنزل عن مركوبه، وسأل دعاءه، وتذمّم وتضرّع، ونذر وتبرّع، فقال له: يا محمد انتبه من غفلتك وسنتك.
توفي ﵀ لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة ٤٩٧ هـ، وشهده جمع عظيم.
من تصانيفه: نوازل الأحكام النبوية، وكتاب في الوثائق، وكتاب في الأقضية وهو كتابنا هذا الذي نقدمه في ثوبه الجديد متمنين على الله أن ينفع به إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين «١» .

(١) انظر عن محمد بن فرج: الصلة لابن بشكوال (٢/ ٥٦٤) رقم (١٢٣٩)، والمغرب في حلى المغرب (١٦٥)، والمعين في طبقات المحدثين (١٤٦) رقم (١٥٨٨)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ١٩٩- ٢٠٢) رقم (١٢١)، وشذرات الذهب (٣/ ٤٠٧)، وشجرة النور الزكية لابن مخلوف (١/ ١٢٣) .

1 / 6

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله كما حمد نفسه وأضعاف ما حمده خلقه حتى يفنى حمدهم ويبقى حمده، لا إله إلا هو وحده. هذا كتاب أذكر فيه- إن شاء الله تعالى- ما انتهى إليّ من أقضية رسول الله ﷺ التي قضى بها، أو أمر بالقضاء فيها، إذ لا يحل لمن تقلّد الحكم بين الناس أن يحكم إلا بما أمر الله به ﷿ في كتابه، أو بما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه حكم بها، أو بما أجمع العلماء عليه، أو بدليل من هذه الوجوه الثلاثة.
واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي- رحمهم الله تعالى- على أنه لا يجوز لحاكم أن يحكم بين الناس حتى يكون عالما بالحديث والفقه معا مع عقل وورع.
وكان مالك ﵀ يقول في الخصال التي لا يصلح القضاء إلا بها: لا أراها تجتمع اليوم في أحد، فإذا اجتمع منها في الرجل خصلتان رأيت أن يولّى العلم والورع.
قال عبد الملك بن حبيب- رحمه الله تعالى-: فإن لم يكن فعقل وورع، فبالعقل يسأل وبه تصلح خصال الخير كلها، وبالورع يعف. وإن طلب العلم وجده، وإن طلب العقل إذا لم يكن فيه لم يجده.
وأبدأ في ذلك بأقضيته ﷺ في الدماء لما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم وغيره: «إن أول ما يقضي الله ﵎ بين الناس يوم القيامة في الدماء» . وأول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة، فمن وجدت له صلاة نظر في سائر عمله، ومن لم توجد له صلاة لم ينظر في شي من «١» عمله.
وليس بعد الشرك بالله ﷿ أعظم من قتل النفس «٢» .
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «زوال الدنيا بجميع ما فيها أهون على الله ﷿ من

(١) رواه البخاري (٦٥٣٣) و(٦٨٦٤)، ومسلم (١٦٧٨)، والترمذي (١٣٩٦) مختصرا على الفقرة الأولى. ورواه النسائي (٣٩٩١) مطولا، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٧٣) في قصر الصلاة. باب جامع الصلاة. بلاغا. وإسناده منقطع. وله شواهد.

1 / 7

قتل امرئ مسلم» «١» . رواه ابن الأحمر في مسنده.
وفي مسند بقي والبزار أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على قتل مسلم لأدخلهم الله النار أجمعين» «٢»
وقال ﵇: «من أعان في قتل امرئ مسلم بنصف كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» «٣» .
وفي البخاري قال رسول الله ﷺ: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» «٤»، هكذا رواه الأصيلي: من دينه، ورواه القابسي: من ذنبه.
وفي كتاب الخطابي: قال سفيان بن عيينة: نصف كلمة هو أن يقول أق أي: اقتل، وهذا كقول النبيّ ﷺ: «كفى بالسيف شا» «٥» أي شاهدا.
وفي غير كتاب الخطابي وقال ﵇: «من لقي الله لم يشرك به شيئا ولم يتندّ بدم مسلم كان حقا على الله أن يغفر له» «٦» .
وفي الخطابى وقال ﵇: «لا يزال المؤمن صالحا معنقا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بلّح» «٧» .
وقال الخطابي: معنى بلح أعيا. ويقال: أعيا الفرس إذا انقطع جريه، وبلّح الغريم إذا أفلس.

(١) رواه بن ماجه (٢٦١٩) من حديث البراء بن عازب ﵁. وإسناده صحيح. ورواه الترمذي (١٣٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو. مرفوعا وموقوفا. وقال الترمذي والأصح موقوفا.
(٢) رواه الترمذي (١٣٩٨) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وقال هذا حديث غريب. ورواه الطبراني في الصغير (٥٦٦) . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٩٧) وقال: رواه الطبراني في الصغير. وفيه جسر بن فرقد ضعيف.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٦٢٠) والبيهقي في السنن (٨/ ٢٢)، والعقيلي في الضعفاء (٤٥٧) وفي إسناده يزيد بن زياد الشامي. قال البخاري: منكر الحديث. وقال البيهقي: يزيد منكر الحديث. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٠٤) من حديث أبي هريرة، وعمر، وأبي سعيد. وأعلها كلها.
(٤) رواه البخاري (٦٨٦٢) من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) رواه أبو داود (٤٤١٧)، وابن ماجه (٢٦٠٦) من حديث عبادة بن الصامت ﵁ وإسناده ضعيف.
(٦) رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٣٣٩ و٣٥١) . وقال البيهقي في مجمع الزوائد (١/ ١٩): رواه الطبراني في الكبير. وإسناده حسن. من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵄.
(٧) رواه أبو داود (٤٢٧٠)، والبيهقي في السنن (٨/ ٢٢) من حديث أبي الدرداء ﵁. وهو حديث صحيح.

1 / 8

قال مالك- ﵀: من لقي الله (تعالى) ولم يشرك في دم مسلم لقي الله خفيف الظهر.
ونبدأ بأول أسباب الحكم في القتل: وهو السجن. اختلف أهل الأمصار هل سجن رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ أحدا أم لا؟ فذكر بعضهم أنه لم يكن لهما سجن، ولا سجنا أحدا، وذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ سجن في المدينة في تهمة دم. رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
وذكر أبو داود عنه في مصنفه قال: حبس رسول الله ﷺ ناسا من قومي في تهمة بدم «١» .
وبهز بن حكيم مجهول عند بعض أهل العلم، وأدخله البخاري في كتاب الوضوء، فدل أنه معروف.
وفي غير المصنف عن عبد الرزاق بهذا السند أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه «٢» .
ووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح أيوب بن سليمان: أن رسول الله ﷺ سجن رجلا أعتق شركا له في عبد فأوجب عليه استتمام عتقه، وقال في الحديث: حتى باع غنيمة له «٣» .
وفي كتاب ابن شعبان عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبيّ ﷺ مائة جلدة، ونفاه سنة، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة «٤» .
وقال ابن شعبان في كتابه: وقد رويت عن النبيّ ﷺ أنه حكم بالضرب والسجن. ومن غير كتاب ابن شعبان.
وثبت عن عمر بن الخطاب- ﵁ أنه كان له سجن، وأنه سجن الحطيئة على الهجو، وسجن صبيغا التميمي على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن، وأمر الناس بالتفقه، وضربه مرة بعد مرة، ونفاه إلى العراق وقيل: إلى البصرة، وكتب ألايجالسه أحد.

(١) رواه أبو داود (٣٦٣٠)، والترمذي (١٤١٧)، والنسائي (٨/ ٦٧) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ وإسناده حسن.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٠٢) وصححه. وقال في التلخيص: إبراهيم بن خثيم متروك؛ والعقيلي (١/ ٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وإسناده ضعيف.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٨٦)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (١٦٧١٦)، والبيهقي في السنن (١٠/ ٢٧٦) وهو حديث حسن.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٩/ ٢٥٤)، والدارقطني (٣/ ١٤٣ و١٤٤) وفي إسناده إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.

1 / 9

قال المحدث: فلو جاءنا ونحن مائة لتفرقنا عنه. ثم كتب أبو موسى إلى عمر أنه قد حسنت توبته، فأمره عمر فخلى بينه وبين الناس «١» .
وسجن عثمان بن عفان- ﵁ ضابئ بن الحارث وكان من لصوص بني تميم وفتاكهم حتى مات في السجن.
وسجن علي بن أبي طالب ﵁ بالكوفة.
وسجن عبد الله بن الزبير بمكة، وسجن أيضا في سجن دارم: محمد ابن الحنفية إذ امتنع من بيعته.
ووقع في كتاب الخطّابي عن علي بن أبي طالب- ﵁ أنه سجن، وأنه بنى سجنا من قصب، فسماه: نافعا، ففتقته اللصوص، ثم بنى سجنا من مدر وسماه: مخيسا، ثم قال: ألا تراني كيسا مكيسا بنيت بعد نافع مخيسا حصنا حصينا وأميرا كيسا.
وفي مصنف أبي داود عن النضر بن شميل عن هرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال:
أتيت النبيّ ﷺ بغريم لي فقال لي: «الزمه» . ثم قال: «يا أخا بني تميم ما تريد أن تصنع بأسيرك» «٢» .
واحتج بعض العلماء ممن يرى السجن بقول لله ﷿: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النّساء: الاية ١٥] .
وبقول النبيّ ﷺ في الذي أمسك رجلا للاخر حتى قتله: «اقتلوا القاتل واصبروا الصابر» «٣» . وقال أبو عبيد: قوله اصبروا الصابر يعني احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت.
وكذلك ذكره عبد الرزاق في مصنفه عن علي بن أبي طالب: يحبس الممسك في السجن حتى يموت.
«باب حكم رسول الله ﷺ في المحاربين من أهل الكفر»
في البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قدم عليه نفر من عكل، أو من عرينة، وفي مصنف عبد الرزاق من بني فزارة، قد ماتوا هزالا. وفي حديث آخر من بني سليم فأسلموا واجتووا المدينة فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا وصحّوا وسمنوا، فارتدوا وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم فما ترجّل

(١) رواه البزار (٢٢٥٩) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٣) وقال: رواه البزار وفيه أبو بكر بن أبي سبرة متروك.
(٢) رواه أبو داود (٣٦٢٩) في الأقضية، وابن ماجه (٢٤٢٨) وإسناده ضعيف.
(٣) رواه أبو عبيد في الغريب عن إسماعيل بن أمية مرسلا، والدارقطني في السنن (٣/ ١٤٠) من حديث إسماعيل بن أمية مرسلا. وهو ضعيف.

1 / 10

النهار حتى جيء بهم، فأمر بهم رسول الله ﷺ: فقطّعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، ثم أمر بحبسهم حتى ماتوا «١» .
وفي حديث آخر: أمر بمسامير فأحميت، فكحّلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وما حبسهم، وألقوا في الحرّة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا «٢» .
وفي حديث آخر: سمل أعينهم. قال أبو قلابة: سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد أيمانهم، وحاربوا الله ورسوله «٣» .
قال سعيد بن جبير في مصنف عبد الرزاق، ومحمد بن سيرين في كتاب أبي عبيد: كان هذا قبل أن ينزل على النبيّ ﷺ في المائدة: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المائدة:
الاية ٣٣] .
وفي البخاري ومسلم: كانوا ثمانية نفر، وسملوا أعين الرعاء. قاله أنس «٤» .
وفي مصنف عبد الرزاق: قلت لأنس: ما سمل؟ قال: تحرّ مرآة الحديد ثم تقرّب إلى عينيه حتى تذوبا «٥» .
«باب كيف يساق القاتل إلى السلطان وكيف يقرره على القتل»
في كتاب مسلم وعن سماك بن حرب أن علقمة بن وائل حدّثه أن أباه قال: إني لقاعد مع النبيّ ﷺ إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال: يا رسول الله هذا قتل أخي، فقال رسول الله ﷺ:
«أقتلته؟» فقال: إنه إن لم يعترف أقمت عليه البينة، قال: نعم قتلته. قال: «كيف قتلته؟»، قال:
كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبّني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال رسول الله ﷺ: «هل لك من شيء تؤدّيه عن نفسك؟»، قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي. قال:
«أفترى قومك يشترونك؟» . قال: أنا أهون على قومي من ذلك. فرمي إليه بنسعته وقال: «دونك صاحبك» . فانطلق به الرجل فلما ولّيا قال رسول الله ﷺ: «إن قتله فهو مثله» . فبلغ الرجل ذلك فرجع فقال: يا رسول الله بلغني أنك قلت: «إن قتله فهو مثله»، وإنما أخذته بأمرك. فقال رسول الله ﷺ: «أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟» قال: يا نبيّ الله! لعلّه قال بلى، قال: «فإن ذاك كذاك» . قال: فرمى بنسعته، وخلّى سبيله «٦» .

(١) رواه البخاري (٢٣٣) و(١٥٠١)، ومسلم (١٦٧١ و١٠ و١٢)، وأبو داود (٤٣٦٤)، والترمذي (٧٢) .
(٢) رواه البخاري (٦٨٠٤) من حديث أنس ﵁.
(٣) رواه البخاري (٣٠١٨) من حديث أنس ﵁.
(٤) رواه البخاري (٣٠١٨) .
(٥) رواه عبد الرزاق في المصنف (١٧١٣٢) من حديث أنس ﵁ موقوفا.
(٦) رواه مسلم (١٦٨٠) .

1 / 11

وفي حديث آخر نحوه وقال فيه: فلما أدبر به الرجل قال رسول الله ﷺ: «القاتل والمقتول في النار» . قال: فأتى رجل الرجل فأخبره بمقالة رسول الله ﷺ فخلى عنه «١» .
قال إسماعيل بن سالم: فذكرت ذلك لحبيب بن أبي ثابت قال: حدثني بن أشرع أن النبيّ ﷺ إنما سأله أن يعفو عنه فأبى.
وفي مسند ابن أبي شيبة في حديث وائل بن حجر الحضرمي كذلك أيضا وقال فيه رسول الله ﷺ لوليّ المقتول: «أتعفو عنه؟» قال: لا، قال: «أتأخذ الدية؟» قال: لا. قال: «فتقتله؟» قال: نعم. فأعاد عليه ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ: «إن عفوت عنه يبوء بإثمه» «٢» .
وفي المسند أيضا في حديث أبي هريرة قال: قتل رجل على عهد رسول الله ﷺ، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فدفعه إلى وليّ المقتول فقال القاتل: يا رسول الله ما أردت قتله. فقال رسول الله ﷺ للولي: «أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار» . قال: فخلّى سبيله، وكان مكتوفا بنسعة قال: فخرج يجر نسعته قال: فسمي: ذا النسعة «٣» .
وفي غير المسند قال رسول الله ﷺ: «عمد يد وخطأ قلب» وقع هذا في الواضحة.
وفي مصنف النسائي: والله يا رسول الله ما أردت قتله. فقال رسول الله ﷺ للولى: «إن كان صادقا فقتلته دخلت النار» . وكذلك ذكر النسائي: أن القاتل قال: يا رسول الله ما أردت قتله. ثم ذكر باقي الحديث كما في حديث أبي هريرة.
وذكر ابن إسحاق أن النبيّ ﷺ سار إلى الطائف على نخلة اليمانية ثم على قرن ثم على المليح ثم على حرة الرعاء من لبة فابتنى بها مسجدا وصلى فيه. وحدثني عمرو بن شعيب أنه أقاد يومئذ بحرة الرعاء بدم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به.
قال في الواضحة: إنما قتله بالقسامة. وفي الواضحة والسير: أن محلم بن جثامة قتل عامر ابن الأضبط الأشجعي فأقسم ولاته ثم دعاهم رسول الله ﷺ إلى الدية فأجابوا فوداه رسول الله ﷺ بمائة من الإبل.
قال في السير: بخمسين. وقال: خمسين في سفرنا وخمسين إذا رجعنا. فلم يلبث محلّم إلا قليلا.

(١) رواه مسلم رقم (١٦٨٠/ ٣٣) .
(٢) رواه أبو داود (٤٤٩٩) والنسائي (٤٧٢٤)، والبيهقي في السنن (٨/ ٦٠) .. وهو حديث صحيح.
(٣) رواه أبو داود رقم (٤٤٩٨)، والترمذي (١٤٠٧)، وابن ماجه (٢٦٩٠)، من حديث أبي هريرة ﵁. وهو حديث صحيح.

1 / 12

قال في السير: أقل من سبع حتى مات فدفن فلفظته الأرض.
قال في السير: وكان رسول الله ﷺ قد قال: «اللهم لا تغفر لمحلّم» ثلاثا، فلفظته الأرض ثلاث مرات «١»، فقال رسول الله ﷺ: «إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يجعله لكم عبرة» . فألقوه بين ضوجي جبل فأكلته السباع «٢» .
«حكم رسول الله ﷺ فيمن قتل أحدا بحجر»
في البخاري عن أنس بن مالك أن يهوديا رضّ رأس جارية بين حجرين «٣»، وفي حديث آخر: خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى النبيّ ﷺ وبها رمق فقال لها رسول الله ﷺ: «أقتلك فلان؟» فأشارت برأسها: أن لا، ثم قال الثانية فأشارت برأسها: أن لا، ثم سألها الثالثة فأشارت برأسها أن نعم، فجيء باليهودي فلم يزل به حتى أقر، فرض رسول الله ﷺ رأسه بالحجر.
وفي حديث آخر فقتله بين حجرين «٤» .
وفي كتاب مسلم ومصنف عبد الرزاق: فأمر به رسول الله ﷺ أن يرجم (فرجم) حتى مات «٥» .
في هذا الحديث من الفقه أن يقتل القاتل بمثل ما قتل من حجر أو عصا أو خنق أو شبهه وهو قول مالك، بخلاف قول أهل العراق الذين يقولون: لا قود إلا بحديدة. وفيه أن الإشارة المفهومة كالكلام، وفيه أن يقتل الرجل بالمرأة.
«حكم رسول الله ﷺ فيمن ضرب امرأة حاملا فطرحت جنينها»
من الموطأ والبخاري ومسلم عن مالك عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الآخرى فطرحت جنينها، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة «٦» عبد أو وليدة «٧» .

(١) رواه أحمد في المسند (٦/ ١٠)، وأبو داود (٤٥٠٣)، والبيهقي في السنن (٩/ ٨١٦) وإسناده ضعيف.
(٢) رواه ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٢٢٥ و٢٢٦) وإسناده ضعيف.
(٣) رواه البخاري (٢٤١٣) من حديث أنس ﵁.
(٤) رواه البخاري (٦٨٧٧)، وأبو داود (٤٥٢٧ و٤٥٢٨)، والترمذي (١٣٩٤) من حديث أنس.
(٥) رواه مسلم (١٦٧٢/ ١٦)، من حديث أنس ﵁.
(٦) الغرة عند الفقهاء ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والإماء.
(٧) رواه البخاري (٥٧٥٨ و٥٧٥٩ و٥٧٦٠)، ومسلم (١٦١٨)، والموطأ (٢/ ٨٥٥)، والترمذي (١٤١٠)، وأبو داود (٤٥٧٦ و٤٥٧٧)، والنسائي (٨/ ٤٧ و٤٨) .

1 / 13

وفي حديث آخر في كتاب مسلم: فرمت إحداهما الآخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، وفي حديث آخر: ضربتها بعمود فسطاطا وهي حبلى، وكانت ضرّتها فقتلتها فجعل النبيّ ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما في بطنها. وفي كتاب النسائي: ضربت إحداهما الآخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة وأن تقتل بها. وكذلك ذكر غير النسائي أن النبيّ ﷺ قتلها مكانها. وقيمة الغرة التي قضى بها رسول الله ﷺ خمسون دينارا أو ستمائة درهم قاله قتادة وغيره، وبه قال مالك بن أنس، وفي مصنف عبد الرزاق عن عكرمة: أن اسم الهذلي الذي قتلت إحدى امرأتيه الآخرى: حمل بن مالك بن النابغة. واسم القاتلة: أم عفيف ابنة مسروح من بني سعد بن هذيل، والمقتولة: مليكة بنت عويمر من بني لحيان بن هذيل «١» .
وفي البخاري ما يدل أن النبيّ ﷺ لم يقتل الضاربة، وذلك أنه قال: حدثنا عبد الله بن يوسف عن الليث عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ: قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو وليدة ثم إن المرأة التي عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها «٢» .
«حكم رسول الله ﷺ في القسامة فيمن لم يعرف قاتله»
من موطأ مالك بن أنس عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة: أنه أخبره رجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل، ومحيّصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما، فأتي محيصة، فأخبر أن عبد الله بن سهل قتل وطرح في فقير بئر بئر أو عين، فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة، وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل: أخوه المقتول، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال رسول الله ﷺ لمحيصة: «كبّر كبّر»، يريد السن، فتكلم حويصة ثم تكلّم محيصة فقال رسول الله ﷺ: «إما أن يدوا «٣» صاحبكم أو يأذنوا بحرب من الله»، فكتب إليهم رسول الله ﷺ في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟» كذا روى يحيى بن يحيى «٤» .
وفي حديث ابن أبي ليلى وفي حديث يحيى بن سعيد خاصة: «وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم» . وفي البخاري: «وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم» . وفي مصنف أبي داود: «دم

(١) رواه عبد الرزاق في المصنف رقم (١٨٣٥٦) من كلام عكرمة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٦٧٤٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) يدوا: أي يعطوا الدية.
(٤) رواه مالك في الموطأ (٢٣٥٢ و٢٣٥٣) في القسامة وإسناده صحيح.

1 / 14