لمسالك البلدان والوديان
وإذا علمت لسان قوم يا فتى
نلت الأمان به وأي أمان!
الشيخ محمد عبده
والشيخ محمد عبده في اعتقادي أعظم رجل ظهر في مصر وما جاورها منذ خمسة قرون، أثره في نفسي من أقوى الآثار ...
وقد أعجبت به؛ لأنني سمعت بذكره في مجلس الأستاذ الجداوي مرات، وكان محبوبا في بلدتي أسوان على الرغم من الضجة التي شنها عليه حساده، والجاهلون بفضله.
وذلك لأنه توسط في قضية متشعبة الأطراف شغلت المدينة والإقليم كله أكثر من عشر سنوات؛ حتى سماها ظرفاء المدينة قضية دريفوس ... وكان أحد الطرفين فيها رجلا سريا مفرط الذكاء، شديد العناد، خبيرا بحيل المقاضاة، وأساليب المراوغة والتأجيل، وإعادة النظر، وإهمال التنفيذ، وكان الطرف الآخر رجلا من المهاجرين إلى السودان الذين عادوا إلى وطنهم مفتقرين بعد الثورة المهدية، فلما بحث عن بيوته وأمواله وجدها في يدي ذلك السري الذكي العنيد، ولم يجد معه دليلا حاضرا يعينه على المقاضاة، ولولا العداوة بين ذلك السري الذكي العنيد وبين أسرة أخرى في المدينة لما استطاع الإنفاق على القضية سنة واحدة.
ومع هذا عز على الأسرة القوية إثبات حقه، وأوشكت القضية أن تنقلب عليه، لولا أن هداه نائب أسوان في مجلس الشورى إلى الشيخ محمد عبده، فقص عليه قصته، واستفز نخوته، فتولى القضية بنفسه، وخاطب فيها زعيمنا الكبير سعد زغلول رحمه الله، بعد أن تحولت إليه، فحكم فيها حكما فاضلا هز الإقليم بأسره، وتحدث به الكبار والصغار في كل مجلس وفي كل قرية، وغلبت هذه السمعة الحسنة التي تكلل بها اسم الشيخ محمد عبده في أسوان على كل تهمة باطلة من تهم الحساد الذين افتروا عليه الزندقة والإلحاد.
ومن حظي الحسن أنني سمعت به في تلك الأيام فراقني أن أقتدي به في غيرته على الحق، ونجدته للضعيف، وقلة اكتراثه للقيل والقال، واطلعت على معظم ما كتب في شئون الدين والدنيا، ولكنني أعجبت بخلقه فوق إعجابي بعلمه، فإن الاقتداء بخلقه نافع لكل إنسان كائنا ما كان مذهبه في الدراسة والتفكير، ولكن العلوم والمعارف تتعدد بين فريق وفريق من الناس، فلا ينتفع المرء إلا بمن يماثله في معارفه وعلومه.
وأنا مدين بخطتي في السياسة الوطنية لإعجابي بالشيخ محمد عبده ومريديه.
صفحه نامشخص