وأبالغ إذا قلت: إن كلمة الأستاذ الإمام هي دون غيرها التي حفزتني إلى الكتابة، ولكنها كانت ولا ريب حافزا قويا بين الحوافز الكبرى، وجاءت بعد عزيمة سابقة فأعانتها، ودفعت عنها عوارض التردد والإحجام.
أما ظروفي المادية «عندما كنت صغيرا أتعطش إلى قراءة الأدب»، فلم تكن ظروف ثراء مهما نقتصد في حدود الثراء، ولكنها كذلك لم تكن ظروف ضنك وفاقة، ولا ظروف شعور بالحاجة إلى الضروريات.
كان أبي وأخي الأكبر موظفين يعيشان في بيت واحد ، وكان مرتبهما معا بضعة عشر جنيها وهو مقدار لم يكن بالقليل في ذلك الحين، وكنت الطفل الوحيد بالمنزل إلى أن ولدت أختي، فلم تكن في تربيتها كلفة؛ لأن تعليم البنت في أسوان لم يكن معروفا قبل نموها إلى سن التلمذة ...
فنشأت أحسب أنني غير محتاج، وأنني أجد من راحة المعيشة ما لا يجده الكثيرون من زملائي.
مكتبة بخمسين قرشا
على أن الرزق الذي يتيسر للضروريات لا يتيسر لشراء الكتب عن سعة، وأحمد الله أن شراء الكتب عن سعة لم يكن لازما في أيام صباي للاطلاع على أوائل المعرفة الأدبية، بل على المعرفة الأدبية في مراحلها المتقدمة.
فلا أحسب أن المكتبة التي اشتريتها بنقودي في صباي زاد ثمنها على خمسين قرشا أو نحو الخمسين.
كان الكتاب من الطبعة الأزهرية يباع بقرشين أو ثلاثة قروش، ويشتمل أحيانا على ثلاثة كتب بين المتن والحاشية والتذييل ...
وكانت هذه الكتب تباع في دكان إلى جانب المدرسة مع أصناف العطارة والحبوب ولوازم أهل الريف، ومنها ما كان يرتفع إلى خمسة قروش أو إلى عشرة قروش كالمقامات والدواوين.
ولم يكن «مصروفي» يزيد على خمسة مليمات في اليوم إلا ليدرك خمسة قروش في الأسبوع، أتسلمها كل يوم خميس، فلا أشتري بها مأكولا أو فاكهة، ولا أذهب بها إلى ملعب البهلوان إن كان بالمدينة ملعب منها، وهي لا تقيم فيها بل تزورها غبا كل بضعة أشهر ...
صفحه نامشخص