199

فقالت ضاحكة: لماذا أخذته مني؟ كنت أحب أن أقرأه مرة أخرى.

وفتحته وأخذت تنظر فيه، وكان قلبي يدق عنيفا.

وقال عبد الحميد باسما: لم آخذه إلا لأنك قذفت به على مقعد السيارة.

فقالت منيرة: سأقذف به مرة أخرى؛ لأني لا أفهم منه كلمة.

ومدت يدها نحوي بالورقة الزرقاء، وكانت مكتوبة بخط صغير أنيق، تذكرته عندما وقعت عيني عليه. هكذا كتبت لي فيما مضى ورقة صغيرة بمثل هذا الخط تقول لي: «ألف شكر.» وأخذت أقرأ في صعوبة؛ لأني كنت أنا الآخر ضعيفا في اللغة الفرنسية.

قالت منى تخاطب منيرة بما يقرب من هذا المعنى: «كنت في هذه الأشهر الماضية أقاسي متاعب كثيرة ما بين مرض أمي وبعض «مشكلات عملية» أخرى، لم يسبق لي عهد بها، وكنت أنتظر منك زيارتي ولكنك انقطعت عني، حتى خفت أن تكوني مريضة، فأرسلت أسأل عنك وعلمت أنك سافرت مع الوالدة إلى القاهرة، وكان من الطبيعي أن أفهم من ذلك أنك سافرت للتمتع بمشاهدة العاصمة الجميلة، فعدت إلى مشاغلي الثقيلة، وكنت أتمنى لو كنت إلى جانبي، كما كنت أتمنى أحيانا لو كان سيد هنا ليتحمل بعض هذه المتاعب نيابة عني.»

ومن الواضح أني عندما قرأت هذه العبارة أعدت قراءتها مرارا، وشعرت بسعادة عظيمة، وقرأت بعد هذا: «لا يمكنك أن تتصوري برد دمنهور في هذا العام ولا تلك الأمطار التي لا تنقطع في الليل ولا في النهار، وهذا ما زاد صحة أمي اعتلالا؛ لهذا لم أحاول أن أعرف شيئا من أخبارك حتى زارنا الأستاذ عبد الحميد ليسأل عنا ويهدي إلينا تحياتك الكريمة، ولأول مرة عرفت منه السبب المؤلم الذي جعلك تسافرين إلى القاهرة، فأنت مثلي إذن بل أشد مني ضيقا. أنا آسفة من أجل سيد، وإن كان حبسه لا يدعو إلى الخجل، ولا عار عليه أن يحبس في تهمة صحفية، ولكنها على كل حال كانت مفاجأة شديدة الوقع علي وعلى والدتي، حتى إنها بكت وكادت تبكيني، ومما يدعو إلى الارتياح أن سيد سيخرج كما علمت بعد أسبوع واحد.

كان الأطباء قد أشاروا على أمي بتغيير الهواء، فعرضت عليها أن نسافر إلى القاهرة لنقيم بها بضعة أيام، فرحبت بالفكرة وأظن أنها ستكون فرصة طيبة لنرى المتهم البريء ونهنئه بالخلاص، ما دمنا لم نقدر على مواساته في أيامه القاسية، سأكتب إليك بيوم حضوري وإلى اللقاء يا منيرة، وأنا واثقة من أنك ستقومين مقامي في تقبيل يد الوالدة وإبلاغ اعتذاري إلى سيد ...»

وكان قلبي يثب عنيفا عند كل كلمة تذكرني منى فيها، ولم أرفع رأسي عن الخطاب حتى قرأته مرة أخرى ووقفت عند كثير من فقراته لأقرأها مرارا.

وحاولت أن أكون طبيعيا أيضا عندما رفعت رأسي آخر الأمر لأعيد الخطاب إلى منيرة، ولكني لم أستطع أن أخفي حماستي عندما سألتني منيرة عن رأيي الأخير في السفر إلى دمنهور عقب خروجي؛ فقد أجبتها سريعا: لا شك أننا ننتظر هنا.

صفحه نامشخص