جاء قرار مجلس جامعة القاهرة بالموافقة على قرار لجنة الترقيات الجديدة بترقيتي إلى أستاذ، في نهاية شهر مايو، ردا للاعتبار تأخر عامين. وكنت قد جمعت ما كتب في الصحف السيارة عن القضية بمساعدة «ابتهال»، وكتبت مقدمة طويلة لها بعنوان «القول المفيد في قضية أبو زيد»، شرحت فيه خبايا القضية ومواقف الأطراف قبل وأثناء الأزمة. وقامت جريدة الأهالي بنشره في عدد خاص بشهر يونيو، بعنوان «القول المفيد في قضية أبو زيد»، بقلم عقل مصر وضميرها، جمع وتقديم د. «نصر حامد أبو زيد».
17
منذ أن قدم الأستاذ «محمد صميدة عبد الصمد» استئناف رقم 287 لسنة 111 قضائية، في العاشر من فبراير سنة أربع وتسعين، ذكر في استئنافه لحكم محكمة الدرجة الأولى التي حكمت لصالح «نصر أبو زيد»، وزوجته «ابتهال يونس»، أن حكم الدرجة الأولى خالف حكم محكمة النقض المذكور. ثانيا: معنى حكم النقض هو العودة إلى مذهب «أبي حنيفة» عند عدم وجود قوانين بقواعد خاصة، ولائحة ترتيب المحاكم الشرعية؛ هما القانون في الأحوال الشخصية. ثالثا: هذه الدعوى المرفوعة تنبع من ولاية أضافها الشارع سبحانه على كل من أوجبها عليه . رابعا: إشارة حكم محكمة النقض ضمنيا إلى النيابة العامة كدور المحتسب. خامسا: حكم محكمة القضاء الإداري في مسألة خروج الآثار المصرية. سادسا: عرض مجموعة من الأقوال عن الحسبة.
عقدت الجلسة الأولى في السادس والعشرين من يوليو سنة أربع وتسعين، فقدم الأستاذ «خليل عبد الكريم» محامي «نصر أبو زيد» مذكرة دفاع تمسك فيها بكافة الدفوع التي طرحها في محكمة أول درجة، ورد على أسباب الخصوم في الاستئناف، فقال: إن حكم محكمة النقض 30 مارس سنة ست وستين، والذي يستندون إليه، أصبح بعد صدور دستور سنة إحدى وسبعين غير مواكب للبيئة التشريعية الجديدة. ثانيا: إن ما ورد في قوانين الأحوال الشخصية من أحكام هو الواجب التطبيق حتى لو كان يخالف أرجح الأقوال في مذهب «أبي حنيفة». ثالثا: الخصوم يخلطون بين مفهوم الولاية في دعوى الحسبة؛ فهي غير مفهوم المصلحة بالمعنى الحديث. رابعا: حكم محكمة النقض أشار إلى النيابة في مسألة إثبات النسب للمولود، ولم تذكر وجود نيابة مفترضة في الحسبة. خامسا: حكم المحكمة الإدارية الذي يستندون إليه ما دخله في قانون الأحوال الشخصية؟ سادسا: لا يوجد محتسب أو ديوان مظالم كما ورد في الاستشهادات التي كانت حول رفض العلاقة من البداية، وهو ليس في حالة زواج، كما بين د. «نصر» ود. «ابتهال».
فتحت المحكمة الباب لتقديم مذكرات، فقدمت نيابة استئناف القاهرة للأحوال الشخصية مذكرة في 19 يناير سنة خمس وتسعين. وقدم الأستاذ «سيف الإسلام عبد الفتاح حمد» مذكرة دفاع ركزت على الجوانب الإجرائية. وقدمت النيابة في 12 فبراير مذكرة ثانية قالت فيها: إنه لا يمكن القول بارتداد المستأنف ضده الأول بحيث يجب التفريق بينه وبين زوجته. وأما بالنسبة لتعريض المستأنف ضده بالدين الإسلامي ومقدساته في كتاباته، فإنه يجوز مساءلته قضائيا. عقدت المحكمة جلسة في 18 مايو رد فيها الأستاذ «خليل عبد الكريم» على مذكرة النيابة الأولى، وعقدت المحكمة جلسة في 29 مايو تعذر فيها المداولة، فأجلت المحكمة إلى يوم الأربعاء 14 من يونيو النطق بالحكم.
دخل رئيس المحكمة المستشار «فاروق عبد العليم مرسي»، العائد منذ مدة قصيرة من السعودية، بلحيته الكثة، يرتدي زيا يشبه أزياء أهل الباكستان، وعضوية السيدين «نور الدين يوسف ومحمد عزت الشاذلي»، وبحضور السيد رئيس النيابة «محسن عبد الرحمن»، وأمين السر «أحمد عبد الحميد عبد الجواد». وحضر الجلسة الأستاذ «محمد صميدة عبد الصمد»، والأستاذ أيمن البدري عن المحامية «أميرة بهي الدين» عن د. «ابتهال يونس». استند الحكم إلى أن حكم المحكمة الابتدائية بعدم قبول الدعوى هو حكم في مسألة موضوعية تتعلق بأصل الحق في الدعوى؛ مما يجعل محكمة الدرجة الأولى قد استنفدت ولايتها بالفصل في النزاع؛ ومن ثم تتصدى محكمة الاستئناف في الفصل في الموضوع. وقال في الحيثيات: إن المحكمة الابتدائية تختص بدعاوى الفرقة بين الزوجين بجميع أسبابها؛ ومن ثم فإن دعوى التفريق بين الزوجين بسبب ردة أحدهما تختص بها المحكمة، ويكون البحث في حصول الردة من عدمه مسألة أولية تختص بها المحكمة، والمحكمة تفرق بين الاعتقاد الذي يكون داخل الإنسان وبين الردة التي لها كيانها الخارجي، ولا بد أن تظهر هذه الأفعال بما لا لبس فيه. النيابة العامة في مذكرتها للمحكمة كان عليها أن تقول إن كتابات المستأنف ضده لا تشكل في نظرها ردة، أو تقول إنها تشكل ردة موضحة أسباب الرأي الذي تقول به أو تطلب طرق إثبات، غير أنها لم تفعل. «حكمت المحكمة حضوريا بقبول الاستئناف شكلا وبإلغاء الحكم المستأنف ضده، ورفض الدفوع المبدأة من المستأنف ضدهما بعدم الاختصاص الولائي، وبعدم انعقاد الخصومة، وبعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة، وباختصاص المحكمة ولائيا بقبول الدعوى. وفي الموضوع بالتفريق بين المستأنف ضده الأول والمستأنف ضدها الثانية، وإلزامهما بالمصاريف عن الدرجتين وعشرين جنيها مقابل أتعاب المحاماة.»
عدت من الجامعة، وكان آخر يوم في الامتحانات. اتصل بي الصديق «عادل حمودة» يسألني عما سأفعل. لم أكن أعرف ماذا يقصد، وكأنه شعر بذلك مني، وفي نبرة صوت بها بعض الاندهاش سألني إن كنت لم أعرف أن المحكمة قد حكمت اليوم بالتفريق بيني وبين «ابتهال». شعرت أنا و«ابتهال» بنوع من الغضب. أنهيت المكالمة معه واتصلت بالأستاذ الشيخ «خليل عبد الكريم» المحامي لأعرف منه ما حدث، فأكد لي الخبر، وقال بنبرة بها أسى: «أرجو ألا تعتبرنا قصرنا.» عاتبته بشدة؛ فأنا أعرف مدى تعبه وجهده في البحث والتنقيب في المراجع وفي كتب التراث، ما يساوي مجهود رسالة دكتوراه. لم نتوقع هذه المفاجأة، ولا أعرف كيف ينفذ حكم كهذا؛ هل أترك الشقة أم تتركها دكتورة «ابتهال»؟ وهل ينفذ بانتزاعنا من بعضنا بعضا بالقوة؟ حاولنا التغلب على شعور الغضب وهول المفاجأة. على الساعة السابعة كان الخبر قد انتشر، ولم يتوقف التليفون عن الصريخ. المفكر السوري «عزيز العظمة»، ووزير التعليم د. «حسين كامل بهاء الدين»، والذي قال لي: «هذه ليست قضيتك وحدك، هي قضيتنا جميعا، ولن نقف مكتوفي الأيدي، وسوف نتولى أمر إجراءات النقض، ونحن لا ندافع عنك إنما ندافع عن المجتمع.» «ابتهال» تقوم بالرد على التليفونات التي لم تتوقف، لا أعرف كيف مرت هذه الليلة. صباح اليوم التالي الخميس غمر الشقة الصغيرة الأهل والأصدقاء؛ الروائي «عبده جبير»، وصديقي الشاعر «محمد صالح» الذي لم يتوقف عن المزاح كعادته. وحضر «جمال الغيطاني» رئيس تحرير «أخبار الأدب» ومعه الصحفي «محمود الورداني»، و«عزت القمحاوي»، والمصور «يوسف ناروز». واتصل الدكتور «أسامة الباز» الذي عاد للتو من الخارج يعرب عن مساندته. أصبحت الشقة كدوار عمدة، بها ضيوف طوال الوقت. وكان عندي مناقشة لرسالة ماجستير في جامعة طنطا يوم الثلاثاء العشرين من يونيو، فوجئت بدواع أمنية، وخوف أحد الأساتذة من أن تتعرض المناقشة لهجوم إرهابي، وكان وضعا مخجلا. وماذا سيحدث في أربع رسائل أخرى مفروض أن أناقشها هذا الصيف. كانت الدولة قد رفعت الحراسة عني بعد صدور الحكم السابق. ومع حكم الاستئناف والتهديدات بالقتل التي بدأت تترى، عينت الشرطة حراسة دائمة تقيم معي، وتذهب معي في كل مكان. بدأت أشعر بالاختناق، فاتصلت بعميد الكلية أطلب منه أن يختار أحد الأساتذة ليصحح أوراق الامتحان للوضع الذي أنا فيه، لكنه أصر على أن أقوم بتصحيحها، وحتى لا يتصور الطلبة أن الكلية جزء مما يحدث لك.
قاب قوسين
1
وصلت بنا الطائرة إلى مدريد بإسبانيا في السادسة صباحا، ألقينا حقائبنا بالفندق، واندفعنا إلى الشارع نجمع حريتنا التي خطفت منا خلال الأربعين يوما الماضية، كنا في سجن كبير. قضينا أنا و«ابتهال» وقتا جميلا كنا في حاجة إليه على الرغم من حرارة شهر يوليو. برق الشهر مسرعا، وتوجهت «ابتهال» إلى منحتها الدراسية، وذهبت إلى المكتبة القومية بمدريد أبحث عن المراجع لأكتب ردا فكريا على حيثيات حكم الاستئناف، تاركا الرد القانوني للقانونيين، نشرته مجلة «أدب ونقد» في شهر سبتمبر سنة خمس وتسعين؛ حيث إن القاضي وضع تعريفا للردة بأنه: «الرجوع عن دين الإسلام، والمرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، وركنها التصريح بالكفر، إما بلفظ يقتضيه أو بفعل يتضمنه بعد الإيمان.» والمقصود بالكفر «يلزم أن يكون ما صدر من المدعي بردته مجمعا على أن يخرجه من الملة عند كافة علماء المسلمين وأئمتهم مع اختلاف مذاهبهم الفقهية.» لكن للأسف الشديد لم يلتزم القاضي بالتعريف الذي استقاه؛ فبالعودة إلى المصادر التي أشار إليها الحكم يمكن أن نكتشف أن حدود الأفعال والأقوال التي تدخل في حيز الردة تنحصر في المرتد «فعلا»؛ من أتى بفعل السجود لصنم أو إلقاء المصحف في قاذورة، أما المرتد «قولا» فهو من جرت على لسانه كلمة الكفر بما هو داخل في حيز الإيمان، وهو كل ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال.
صفحه نامشخص