في ظل حالة الاستقطاب التي تعيشها ثقافتنا كان لإعادة نشر كتاب الشيخ «علي عبد الرازق» «الإسلام وأصول الحكم» ضجة، فأردت إعادة طبع كتاب قد صدر بالتركية عام أربعة وعشرين، ونقله إلى العربية «عبد الغني سني بك»، لتعيد نشره «دار النهر للنشر والتوزيع» بالقاهرة، وكتبت مقدمة طويلة تضع الكتاب وإشكالية الخلافة وسلطة الأمة في السياق الراهن للقضية، وفي سياق صدور الكتاب في بدايات القرن العشرين، وسياق الخلافة ذاتها ومحتوى الكتاب في العشرة القرون الأخيرة من تاريخ المسلمين. تعرضت بالتفصيل لموقف د. «محمد عمارة» من قضية الخلافة في بداية السبعينيات - من القرن العشرين - وهو الذي أعاد نشر وجمع تراث التنوير والنهضة، بل ونشر كتاب «علي عبد الرازق» في مجلة «الطليعة» القاهرية اليسارية عام واحد وسبعين، وأعاد نشره في دراسة للظروف والوثائق الأساسية عام اثنين وسبعين في مؤسسة الدراسات العربية بلبنان. وهناك فارق بين «عمارة» السبعينيات - من القرن العشرين - و«عمارة» التسعينيات، والذي نشر سبع مقالات في جريدة «الحياة» اللندنية أعاد نشرها بجريدة «الشعب» في الحادي عشر من يناير سنة أربع وسبعين؛ لتلويث «علي عبد الرازق» وكتابه، فتحول الكتاب عند «عمارة» السبعينيات - من القرن العشرين - من محاولة لمناهضة تحالف الإنجليز والملك «فؤاد» لملء الفراغ الناتج عن إلغاء الخلافة في «تركيا» سعيا لتنصيب الملك «فؤاد» خليفة تحت سيطرة الإنجليز بالكامل؛ ليصبح عند «عمارة» التسعينيات جزءا من المخطط الاستعماري الغربي. يحاول إثبات أن الشيخ «علي عبد الرازق» تراجع عن أفكاره معتمدا على اجتزاء فقرات من محاضرة للشيخ، ألقاها في الجامعة الأمريكية في مارس سنة اثنتين وثلاثين بعنوان «الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة»، نشرتها كجزء من الكتاب كشفا لتزييف «عمارة» التسعينيات . وظهر من تحليل خطاب «عمارة» أن السياسة هي التي توجه الفكر عنده، أو سيطرة الأيديولوجيا على المعرفة.
فبعد الحرب العالمية الأولى، وما حدث للدولة العثمانية - رجل أوروبا المريض - ونجاح أتباع «تركيا الفتاة»، قرر المجلس الوطني الكبير في «أنقرة»، في نوفمبر سنة اثنتين وعشرين، إعلان تركيا جمهورية وإلغاء السلطنة بعد فصلها عن الخلافة. وكان قرار الفصل بين منصب السلطان ومنصب الخليفة يعني الاعتراف بالاستقلال السياسي عن الأتراك، فخرج هذا الكتاب الذي أعيد نشره كدراسة فقهية اعتمد عليها الكماليون للفصل بين الخلافة والسلطنة، وكتب آخرون يرفضون هذا الإجراء مثل الشيخ «محمد رشيد رضا» في المنار، وكتاب ل «مصطفى صبري» أحد المعارضين لحزب «تركيا الفتاة»، حتى ألغي منصب الخلافة ذاته في مارس سنة 1341ه/1924م، فسعت أطراف عديدة للسعي للخلافة. وكان المؤتمر الإسلامي في القاهرة جزءا من هذه الجهود، فكتب الشيخ «علي عبد الرازق» كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، ليقول به إن الخلافة ليست أصلا من أصول الدين بل هي اجتهاد بشري للمسلمين، واستعرض تاريخ الخلافة والفصل الفعلي بين الخلافة والسلطنة منذ العصر العباسي حتى القرن العشرين. وهناك دائما فجوة بين النموذج النظري في كتب العقائد والتحقق الفعلي في التاريخ الاجتماعي للمسلمين، وتلك هي الإشكالية التي يتعرض لها الكتاب؛ فمشكلة الخلافة ما زال البعض يناقشها من زاوية الدين لا من زاوية الدنيا، ومن باب العقيدة لا من باب السياسة.
تقدمت في شهر فبراير للترقية إلى أستاذ مرة ثانية بعد تغيير اللجان العلمية، وكنت حريصا على ضم الدراسات التي هاجمها «عبد الصبور شاهين» كجزء من إنتاجي، وأضفت إليها ما أنتجته من دراسات خلال الفترة السابقة، ومن ضمنها كتاب «التفكير في زمن التكفير»، وبه مناقشة لكل ما أثير حول إنتاجي وأفكاري.
15
بعض من يتصدون للحديث عن الإسلام يحصرون كل مجالات الحياة الإنسانية بين دائرتي الحلال والحرام فقط، وتوسعوا بطريقة غير مسبوقة في المحرمات؛ فكتبت مجموعة مقالات لجريدة «أدب ونقد» كان أولها «كلام ليس جديدا تماما عن الإسلام والشعر»، نشر في شهر يناير سنة خمس وتسعين، عرضت أقسام الأحكام الخمسة التي وضعها المفكر الأصولي القديم؛ الواجب والمندوب، والمباح وهو أوسع الدوائر، وهو ما يمكن أن نصفه بالحلال، ثم المكروه والمحرم. والفكر الذي يوسع دائرة الحرام مشكلته تكمن في خلطه بين ما هو محرم دينيا وفقهيا وبين المحرم اجتماعيا، فهل الشعر يدخل في دائرة الحرام بالمعنى الديني، أم يدخل دائرة المكروه، أم إنه في الحقيقة يقع في دائرة المباح؟ تناولت تعامل نصوص القرآن مع مسألة الشعر، وفي المقالة الثانية في فبراير بعنوان «الدفاع عن الشعر من أجل تأسيس علم البيان، قراءة في مقدمات عبد القاهر الجرجاني»؛ فآيات القرآن لا تتحدث عن الشعر بل عن الشعراء، و«عبد القاهر» في كتابه «دلائل الإعجاز» وضع علم البيان على رأس العلوم؛ لأنه العلم الذي يدرس الكلام الذي بواسطته توصل المعرفة وتنقل، ومفهومه للبيان لا يقف عند حدود دراسة الكلام في مستوى التواصل فقط، بل يدرسه في مستواه الفني الرفيع شعرا ونثرا. وعلم البيان يعتمد على دراسة النحو؛ فهو قانون اللغة، ومن جهة أخرى دراسة الشعر حيث تتجلى مستويات البراعة والفصاحة والبيان. والمقالة الثالثة في شهر مايو بعنوان «الدفاع عن الشعر، الحيثيات»، عرضت لحيثيات «عبد القاهر» شيخ البلاغيين العرب عن أهمية دراسة الشعر كضرورة إنسانية دنيوية، «حيث إن الفضائل أساسها العلم، والعلم أساسه اللغة والبيان». وهناك ضرورة أخروية؛ «حيث إن علمي اللغة والبيان هما أداة الكشف عن حجة الله المتمثلة في إعجاز كلامه سبحانه وتعالى. و«عبد القاهر» يناقش هؤلاء الذين يستندون إلى النصوص الدينية في كراهة الشعر، وهو ما سأتعرض له في المقالة التالية.»
منذ أن حصلت على كتاب «وليام جراهام» بعنوان «ما وراء الكلمة المكتوبة، الجوانب الشفاهية للنصوص الدينية في تاريخ الأديان»، في طبعته الورقية الصادرة في مارس سنة ثلاث وتسعين عن منشورات كامبريدج بنيويورك بالولايات المتحدة، وأنا أريد الكتابة عنه، فكتبت عرضا له نشرته مجلة «العربي» الكويتية في عدد مارس سنة خمس وتسعين تحت عنوان «البعد المفقود من الدراسات الدينية»، يبدأ المؤلف بطرح سؤال: ما النص الديني؟ بهدف إعادة النظر في التعريف الشائع في سياق التراث الأوروبي الذي يشير إلى النصوص التي دونت أو طبعت دون ما هو شفاهي/سمعي متداول. والمؤلف يطرح مفهوما للنصوص الدينية لا يتجاهل طبيعة الوظائف الشفاهية/السمعية، ويسميه المفهوم العلائقي؛ الذي يعتمد على العلاقة بين النص أو النصوص المعنية، وبين الجماعة أو الجماعات التي تؤمن بها. ويفرق بين نمطين من دراسة النصوص الدينية؛ أولهما دراسته بوصفه نصا مقدسا، فيركز على المعنى العلائقي السياقي الناتج عن تفاعل الجماعة مع ذلك النص، فيدرس ماذا يعني النص بالنسبة للجماعة التي تؤمن به؛ كيف تفسره وتوظفه في كل جوانب حياتها. ونمط ثان يدرس النص بوصفه وثيقة، فنركز على الخلفيات التاريخية مثل نشأة النص وتطور مراحله المختلفة. ويدرس النصوص المقدسة في التراث الإنساني مركزا على التراث الغربي والهندي والإسلامي. وهذا المفهوم يطرح تحديا علينا - نحن دارسي الظاهرة الدينية - بعدم التركيز فقط على النصوص المكتوبة في ممارسات الجماعات الدينية بالتركيز على الكتابي وإهمال الشفاهي تماما. واكتشفت خطورة التقصير من جانبنا بإسقاطنا من مجال اهتمامنا ودرسنا البعد الشفاهي ونحن ندرس النصوص الدينية، بل وأسقطنا كل ما يتعلق بالحياة الدينية في تركيزنا على النص المدون المكتوب، وهو ما يجب فورا تداركه بالعودة إلى المفهوم العلائقي الذي وجد أولا، وما زال موجودا في التراث الإسلامي وفي الحياة الدينية الإسلامية.
فشلت الدعوة للحوار الذي دعت إليه السلطة كحوار من أعلى يعتمد على الإقصاء، فجاءت العشر الأواخر من رمضان بدعوة للحوار بين «عادل حسين» الاقتصادي وعضو حزب العمل ممثلا لتيار الحل الإسلامي، وبين «رفعت السعيد» عضو حزب التجمع وممثل اليسار المصري. وقد نشرت جريدة «الأهالي» الصادرة عن حزب التجمع نص الحوار في الأول من مارس سنة خمس وتسعين، فكتبت دراسة تحليلية نشرت ضمن كتاب من كتب سلسلة «الأهالي» عدد اثنين وخمسين عن «المواجهة بين «رفعت السعيد» و«عادل حسين» حول الاعتدال والتطرف»، وكانت مداخلتي بعنوان «مقاربة منهجية، عادل حسين ورفعت السعيد خطابان أم خطاب واحد؟» فحالة الانقسام التي يمر بها المجتمع تجعل من التكاتف من أجل صياغة مشروع للإنقاذ الوطني، أساسه الاتفاق على الحد الأدنى من الأهداف المشتركة، ونتفق على الآليات لتحقيقها؛ فشرحت مجموعة ضوابط منهجية ومنطلقات لعلم تحليل الخطاب، ومستوى المنطوق، ومستوى قراءة الفحوى أو المفهوم، ومستوى الدلالات المضمرة، ثم مرحلة تحليل بنية الخطاب من خلال ما يكون في بؤرة الخطاب وما في هامشه من عناصر. في هذا الحوار نحن إزاء خطابين يعطي كل منهما ظهره للآخر تماما، فافتقد الحوار تحديد الموضوع وتحديد نقاط الاختلاف، واستخدم كل منهم آلية توظيف النصوص لإقصاء الآخر. ولم تختلف لغة الوعظ الديني في خطاب «عادل حسين» عن لغة «رفعت السعيد» الماركسي الداعية، رغم اختلاف المفردات. وخيم على الحوار الطبيعة السياسية لا الفكرية؛ فلم يتحقق حوار بقدر ما هي مواجهة. وسبب ذلك هو غياب الأبعاد المعرفية في كلا الخطابين لحساب الأبعاد السياسية المباشرة، فكان الناتج مجرد مساجلة.
16
كان غبار قضية محاولة منع عرض فيلم المهاجر ل «يوسف شاهين» في المحكمة على أشده، فكتبت مقالة لجريدة «الحياة» بلندن بعنوان «تجديد الفكر الإسلامي أسئلة واقتراحات».
وكتبت دراسة أكثر تفصيلا نشرت بمجلة «القاهرة» في عدد شهر مايو عام خمسة وتسعين، بعنوان «التنوير الإسلامي جذوره وآفاقه»، أدرس فيها إنجاز «ابن رشد» في الفكر الإسلامي ، وفي سياق عقلانية المعتزلة، والتي مهدت له، وكيف كان لهذا الجهد حضور في الفكر الإسلامي الحديث المتأثر بالاحتكاك بعصر الأنوار الأوروبي من خلال نموذج خطاب «الإمام محمد عبده»؛ فالمعتزلة قالوا إن للكلام الإلهي قصدية تستنبط، ليس من داخل الكلام بل نابعة من الفهم العقلي للوجود خارج اللغة، وخارج الكلام الإلهي ذاته. وهناك دلالات عقلية وجوبية لا تختلف من مجتمع إلى آخر أو ثقافة إلى ثقافة؛ فهي دلالات يتفق عليها العقلاء بصرف النظر عن المكان والزمان، مثل دلالة الفعل على الفاعل، وبها علاقة تلازم عقلية.
صفحه نامشخص