728

قالوا: ثم إن جعفر بن قرط أذن للأسرى بالانصراف وأمر لهم بأفراس فحملهم عليها إلى بيوتهم فلما بلغ عمرو بن عباد منزله أهدى هدايا من خيل وجمال وغير ذلك وسار إلى جعفر بن قرط، فأصابه في مكانه لم يرحل عن جوار قبر هود عليه السلام فدفع إليه الهدية فقبلها جعفر ونصب له قبة بعيدا من الحي وحمل عمرو بن عباد معه خمرا، وكان استرق النظر فرأى جرجاد ابنة جعفر بن قرط فهويها وهو أسير فلما أتاه جعفر بالطعام أكل وشرب الخمر، وقال لجعفر: أشرب من خمري يا أبا عامر، قال له جعفر: يا بني، فإني أرتاح فإن أنا سكرت ضاع الحي، قال عمرو: اشرب يا عم شرابي فهو بريء عندك، فإني ضيفك فلم يزل به حتى شرب وعملت الخمر في الشيخ فصرعته، فقام عمرو بن عباد فسل سيفه وضرب رأس جعفر بن قرط فقتله وليس في الحي إلا امرأة وطفل، فقال لهم عمرو: زينوا لي جرجاد حتى أخلوا بها، قالت لهن بلقيس: ويلكن!! إني أيده ليس في الرجال مثلي ولا من يدافعني، وقد أعددت مدية خويصية للملك عمرو ذي الأذعار، فهي أول ما عمل من الخوصيات في اليمن، فجعلت نصاب المدية ذهبا ورأس النصاب ياقوتة زرقاء فتدخلها من مفرقها في قرونها حتى تخرج رأس المدية من شعر قفاها وتبقى الياقوتة والذهب على جبينها فهي زينة، ولا يدري ما وراء ذلك، فزين بلقيس ثم أتين بها إليه فقالوا: هذه جرجاد، وكانت بلقيس أجمل فلما رأها أنكرها غير أنه رأى ما غلب على عقله، فلما خلى بها في القبة هم بها، قالت له: يا عمرو، إن الأبكار من النساء كالإناث من الخيل لا يسمحن إلا عن صهيل ومجابذة(1)، وإنما أرادت أن تعلم أين هو من قوتها فمد يده إليها ورأى أنه حاكم عليها فجذبها إلى نفسه، ودافعته فغلبت عليه فأخذت يديه جميعا بيدها الواحدة، ثم مدت يدها إلى قرونها فسلت المدية فضربت بها نحره فقتلته، فلما مات أخذت برجلة تجره إلى(1) الحي، وتقول، قليل لك مني هذا يا أبا عامر، ثم قالت لهن بلقيس: أسرجن فرس أبي عامر فركبته، وقالت: أرتحلن من قبل أن يشيع قتل أبي عامر في الحي فيتخطفكن العرب من هذا الشعب فرحلن ومشين خلف بلقيس كما يفعل أبو عامر جعفر بن قرط، فلما رجعن إلى غلغال بكين جفعرا، وشاع قتله في العرب، وعرف عمرو ذو الأذعار بمكان بلقيس، فأرسل لها وأخذها، فقالت لأخيها عمرو: لي حيلة إذا لقيت عمرا أخدعه وأنت لا حيلة لك غير الموت فاهرب فهرب عمرو بن الهدهاد إلى البحرين متكتما في زي أعرابي وسارت بلقيس حتى دخلت على عمرو ذي الأذعار فأمر بالخمر لمنادمتها كما كان يفعل ببنات الملوك فلما أخذت الخمر منه هم بها، قالت: أيها الملك، سرى منك من المال أكثر مما رأيت من الحرص، وحاجتي منك أكثر من حاجتك [في](2) وسامرته أحسن مسامرة فألهاه ما سمع منها وما أعطته من نفسها من القرب وهي تعمل فيه بالخمر، حتى أن الخمر [قد](3) عملت فيه فقامت إليه بالمدية الخوصية التي قتلت بها عمرو بن عباد فانتزعتها من قرونها، ثم نحرت بها عمر ذا الأذعار فلما مات جرته فألقته في ركن مجلسه وألقت عليه الفراش، ثم خرجت إلى الحرس في جوف الليل فقالت لهم: يأمركم الملك بفلان أن تأتوا به[فأتوا به](4)، وكان يتبعه ألوف من حمير، ثم أرسلت إلى غيره ولم تزل ترسل إلى ملوك حمير وأبناء الملوك فلما اجتمعوا في قصر غمدان خرجت إليهم، فقالت لهم: إن الملك قد تزوجني على أني برئت إليه من ملكي في حياته، وأنتم تعلمون أنه لا ولد(5) له، فلما علم مني الخضوع لحقه والطاعة لأمره فوض إلي الأمر من بعده، ورآني أهلا له منه، وأمرني أن أخذ عليكم بذلك عهدا، قالوا: سمعا وطاعة للملك، فأخذت(6) عليهم العهد أن لها الملك بعد عمرو ذي الأذعار، ثم قالت لهم: هلموا حتى تسمعوا من الملك فأدخلتهم المجلس قالوا [لها](1): أين الملك؟

قالت لهم: ها هو ذا وأرتهم إياه قتيلا. قالوا لها: أنت أولى بالملك إذا أرحتينا من هذا الرجس الخائن، فوليت ملكهم وهي بلقيس بنت الهدهاد بن شرح بن شرحبيل، وقد روى بعض الرواة أن تبع ذا الأذعار لم يمت حتى سقط شقه من الفالج، ولذلك قتلته بلقيس والله أعلم أي ذلك كان، وقال عمرو بن الهدهاد أخو بلقيس يهجو عمروا ذا الأذعار وهو أول هجو كان في العرب:

صبح ذو الأذعار في رمسه

لم يحمدالله له سعيه?

?

يأكله الحوب الذي قدما

ولم يحرم دهره محرم

إلى آخرها.

صفحه ۱۵۸