724

وقد كانت هربت هي وأخوها عمر إلى جعفر بن قرط وهو بالأحقاف في حصنه، وكان يطلبها وأخاها الملك عمرو ذو الأذعار، فاستخفت عنده مدة من الزمان، وجرى لها ولجعفر هذا قصة نذكر المقصود منها قالوا: كان جعفر بن قرط وهو رجل [من حمير](1) وهو من هران بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ قد جعل على نفسه في كل عام عمرة يحج إلى مكة في كل شهر رجب، ثم يرجع إلى حصنه غلغال، وجعل على نفسه بعد رجوعه من العمرة أن يجاور قبر هود عليه السلام شهر(2) المحرم كله حتى ينسلخ، فكان يفعل ذلك كل عام، ثم يرجع إلى حصنه غلغال، وكان بين حصنه وبين قبر هود-صلى الله عليه- مسافة يوم، وقد أخلى جعفر بن قرط هذه المسافة من الناس فلا ينزلها أحد، وكانت له حما، وكان يرحل(3) بالعيال والولد، وكان غيورا لا يصحبه في ظعنه ولد قد أدرك الحلم، فرحل يوما بأهله وولده الأصاغر، وسارت معه بلقيس وأخوها عمرو وهو طفل لا يعلم بها أحد من الناس، وسارت مع الظعن، وسار جعفر بن قرط يريد قبر النبي هود فأخذ على شاطئ نهر الحفيف بين النخل(4) يأكل ثمرها، ويعلفه الخف والحافر، وكان إذا نزل بالأحقاف تلقاه السباع فيقاتلها ويقتل ما لقي(5) منها، ثم يخرج إليه تنين عظيم فيقاتله حتى يولي هاربا بين يديه، ويقول لأهله: لا تجزعوا فإنه لص شيطان، وأنه كان رجل بمأرب تحت السد يقال له: عمرو بن عباد بن مهرير بن عفان بن أود الله بن سعد العشيرة، وكان صعلوكا لا يقر به قرار يطلب المبارزة(6) في كل قبيل من العرب، وتبعه على ذلك شريك(7) بن عمرو بن هلال بن أود الله، وبنان بن ثور بن أسلم بن زبيد كانا صعلوكين فاتكين جسورين على كل هول، فتبعا عمرو بن عباد وساروا فبينما هم يسيرون إذ أصابوا أثر ظعن جعفر بن قرط فمشوا على الأثر حتى ترآى لهم جعفر بن قرط وهو يمشي خلف ظعائنة فجدوا في طلبه حتى أدركوه وبينهما نهر الخفيف(1) وهو نهر ينهال فيه الرمل فيبتلع من سقط فيه، وطلبوا سرحة النهر يعبرون منها إليه، فمشى لهم جعفر بن قرط على شاطئ النهر، ومشى القوم يناظرونه فلما دنوا منه ووقفوا في عدوة الوادي من النهر، رأوو شيخا جالسا في سرحة كالنخلة ولحيته قد سقطت على عرف فرسه وقد بلغت ركبتاه حذا أذني فرسه، فانحرف إليهم فقال: من أنتم؟ وما شأنكم؟

قال له عمرو بن عباد: أنا عمرو بن عباد الأودي، وهذا شريك بن عمرو، الأودي وهذا بنان بن ثور الزبيدي، لم يدع في الحرب مثلنا(2) بأسا ولا شدة فاسلم الظعائن وانج بنفسك، ثم قال له: وما اسمك؟ وممن أنت؟

قال له: أنا جعفر بن قرط الأسدي.

ثم حملوا عليه فثبت لهم وطعنوه، فألقى إليهم المجن فلم يحك سلاحهم فيه شيئا، وهربوا، وثبت له عمرو بن عباد فطعنه جعفر فعقر فرسه، ثم عطف على صاحبيه فلما علما أنه لاطاقة لهما بجعفر وقفا لينظرا ما يصير إليه أمر عمرو بن عباد فرجع الشيخ إلى عمرو، وقال [له](3): ألق سلاحك واستأسر وإلا قتلتك، فألقى سلاحه ونزل إليه الشيخ فكتفه وشد وثاقه إلى نخلة، ثم سار إلى شريك وبنان فعبر(4) إليهما من السرحة(5) التي عبروا إليه منها، فقاتلاه فلم يغنيا فأخذهما(6) أسيرين بعد أن طعن بنان بن ثور طعنة ليست بجائفه، ثم ساقهم بين يديه وقد حثا في جراحة بنان رملا، فلما بلغ قبر هود-صلى الله عليه- نزل ونصب لهم قبة بعيدة من الحي، ولم يزل يتعاهد جرح بنان حتى برء، ثم قال لهم: هاتوا الفداء، قالوا [له](7): يا أبا عامر، خذ منا ما رأيت.

صفحه ۱۵۳