اللآلئ المضیئه - الجزء الاول
الجزء الأول
وروي أن معاوية دعا بالحسين بن علي عليه السلام وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ليبايعوا لابنه يزيد، وكانوا لما استحضرهم معاوية قد فوضوا ابن الزبير في جوانب، فقال لهم معاوية: قد علمتم(1) نظري لكم وعطفي عليكم وصلتي أرحامكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة، وتكونوا أنتم تأمرون وتنهون، فسكتوا وتكلم ابن الزبير، وقال: أخيرك بين إحدى ثلاث بأيها أخذت فهي لك إن شئت فاصنع فينا ما صنع رسول(2) الله قبضه الله ولم يستخلف، وإن شئت فما صنع أبو بكر فإنه عهد إلى رجل من قريش وترك أولاده، وإن شئت فما صنع عمر جعلها بين ستة نفر وترك أولاده، وفيهم من يصلح، فقال معاوية: هل غير هذا؟ فقال: لا. فقال للآخرين: ما عندكم؟ فقالوا: على ما قال ابن الزبير. فقال: قد أعذر من أنذر وأقسمت بالله لئن رد رجلم منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يضرب رأسه، فلا ينظرن إمرؤ منكم إلا لنفسه ولا يبقى إلا عليها، فأمر أن يقف على كل رجل منهم رجلان وأمرهما إذا تكلم أحد منهما قتلاه، ثم رقى المنبر وحف به أهل الشام وأجتمع الناس، فقال: إنا وجدنا آحاديث الناس ذات عوار، قالوا: إن حسينا وابن أبي بكر وابن عمر وابن الزبير لم يبايعوا ليزيد، وهؤلاء الرهط سادات المسلمين وخيارهم، وهم هؤلاء وقد وجدتهم سامعين طائعين وبايعوا وسلموا وأطاعوا، فقال أهل الشام: وما يعظم من أمر هؤلاء ائذن لنا بضرب أعناقهم، لا نرضى حتى يبايعوا علانية، فقال معاوية: سبحان الله! ما أسرع الناس إلى قريش بالشر وأحلى دماؤهم عندهم، أنصتوا فلا أسمع هذه المقالة من أحد، فدعا الناس إلى البيعة ليزيد، ثم قربت رواحله، فركب ومضى، فقال الناس: قلتم لا نبايع فلما دعيتم وأرضيتم بايعتم، قالوا: لم نفعل، قالوا: بلى قد فعلتم وبايعتم أفلا أنكرتم، ثم قالوا: أخفنا القتل وكادكم بنا وكادنا بكم، فقال أحدهم: حكوا باطلا وانتضبوا صيارما وقالوا: لو صدقنا، فقلنا: نعم.، وتوفي المغيرة بن شعبة سنة إحدى وخمسين، ولى معاوية الكوفة زيادا وضمها إليه مع البصرة، وكان أول من جمع له المصران، وكتب زياد إلى معاوية أني قد شغلت شمالي بالعراق ويميني فارغة، فإذا رأى أمير المؤمنين أن يوليني الموسم، فكتب إليه بولاية الحجاز، وقيل: بولاية الموسم.
روي أن أبا بكرة أتاه فخاطب صبيا له، وقد كان حلف أن لايكلمه مذ كان عن الشهادة على المغيرة، فقال: يا بني، إن أباك ركب في الإسلام عظيما، شتم أمه، وانتفى من أبيه، ثم هو الآن يريد أن يفعل ما هو أكثر(1) من هذا، يمر بالمدينة فيستأذن على أم حبيبة ابنة أبي سفيان فإن أذنت له(2) فاعظم بها مصيبة على رسول الله -صلى الله عليه وآله- وعلى المسلمين وإن لم تأذن له فأعظم بها فضيحة على أبيك فتأخر عن الخروج إلى الموسم، وكان معاوية قد ولى اليمن لما استقامت له الأمور فيروز الديلمي، ثم استعمل مكانه(3) عثمان بن عفان الثقفي، ثم استعمل النعمان بن بشير وبقي زياد على ولاية العراق اثنتي عشرة سنة، وفتح بلاد الهند وغيرها، وتوفي زياد بالكوفة سنة أربع وخمسين.
صفحه ۳۷