اللآلئ المضیئه - الجزء الاول
الجزء الأول
قال: قال ابن الأثير: حادث التتار من الحوادث العظمى، والمصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلوا قال قائل أن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، لأن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها، ومن أعظم ما يذكرون فعل بختنصر ببني إسرائيل ببيت المقدس وما ببيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء من مدن الإسلام، وما بنوا إسرائيل إلى ما قتلوا، فهذه الحادثة التي استطار شرها، وعم ضرها، وصارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فإن قوما خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركشان مثل كاشعرد وبلاد شاعرف، ثم منها إلى بخارى وسمرقند فملكوها وسبوا أهلها، ثم عبرت طائفة منهم إلى خراسان فتفرغوا فيها ملكا وتخريبا وقتلا، وأبادت إلى الري و(همدان) إلى حد العراق يقصدون أذربيجان ونواحيها ويخربونها ويستفتحونها في أقل من سنة، ثم ساروا من أذربيجان إلى .... شروان فملكوا مدنه وعبروا من عندها إلى بلد اللاب والذكر فقتلوا وأسروا، ثم قصدوا بلاد قفحاف وهم أكثر من الترك عددا فقتلوا من وقف وهرب الباقون، واستولى التتار عليها، ومضت طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزنة وأعمالها وسجستان وكرمان ففعلوا مثل هؤلاء بل أشد، هذا مالم يطرق الأسماع مثله لأن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة وإنما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحدا وإنما رضي بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأعمره في نحوا سنة، ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يترقب وصولهم إليه، ثم إنهم لا يحتاجون إلى ميرة ومدد فإن معهم الأغنام، والبقر، والخيل فإنهم يأكلون لحومها لا غير، وأما خيولهم فإنها تحفر الأرض بحوافيرها، وتأكل عروق النبات ولا تعرف الشعير.
صفحه ۱۷۲