1246

وكان لعز الدولة في هذه الوقعة عجيبة ظهرت لجميع الناس وإن كانت أمورهم كلها عجائب لأهل العقول، وذلك أنه أسر له غلام تركي يقال له بانكين كان مولعا به قد شغفه حبه فخزن لفقده حزنا عظيما وقلق وظهر عليه من الوجد والكأبة ما منعه من الطعام والشراب وأدام البكاء والتفجع، فكتب إلى عضد الدولة عقيب هذه الوقعة في رد الغلام وعرفه ما في نفسه، وكتب إلى خواص عضد الدولة يستعين بهم على أمره، وبعث لعضد الدولة في فدية الغلام جاريتين محسنتين صناعة الغناء والعود، ولم يكن في بغداد مثلهما في الجمال والحسن وصناعة الغناء، ويقال أن قيمة إحداهما مائة ألف درهم، وقال لرسوله: إن طلب عضد الدولة زيادة عليهما من المال فزده فقد رضيت أن آخذ الغلام وأمضي إلى أقصى الأرض، فلما وصل الرسول إلى عضد الدولة أمر برد الغلام بشرط أن يخلي واسط لعضد الدولة فرضي بذلك عز الدولة، وكان وصول الغلام لديه من أجل النعم، وأخذ عضد الدولة الجاريتين وواسط عوضا، ثم قدم عز الدولة إلى بغداد فدخلها في صفر سنة سبع وستين وثلاثمائة وترك واسط لعضد الدولة وفاء بالشرط، وقدم عضد الدولة إلى الأهواز فملكها ثم إلى واسط فملكها، ثم توجه إلى بغداد ونادى في الناس بأن عز الدولة قد سلم الأمر، ودخل في الطاعة ومن في جملته وسلم إليه بغداد وأعمال العراق كلها، وسكن الناس بذلك وقد عضد الدولة في أحسن تعبئة وبين يديه خمسة فيلة، وخرج للقائه الطائع وتلقى عضد الدولة بوجه جميل وخلع الطائع عليه الخلع السلطانية وتوجه وقلده سيفا وعقد له لوائين ولقبه تاج الملة مضافا إلى عضد الدولة الملة وكتب له عهدا على ما وراء بابه، ثم انهزم عز الدولة إلى الموصل وقبض عضد الدولة على أصحاب عز الدولة فامتلأت منهم الحبوس واستفرجت منهم الأموال، وتجهز عضد الدولة وأبي تغلب على أصحاب ابن ناصر الدولة بن حمدان فإنهما اجتمعا بالموصل وتحالفا على محاربة عضد الدولة فالتقوا، وحمل عز الدولة بنفسه حملات كثيرة وقاتل أشد قتال حتى هزم ميسرة عضد الدولة، ثم أنه قصر به فرسه وثقل عليه سلاحه فانهزم ووقع على الأرض فقتله بعض أصحاب عضد الدولة واحتز رأسه وحمله إلى عضد الدولة وانهزم الباقون، وذلك في سنة سبع وستين وثلاثمائة، وعاد عضد الدولة إلى بغداد، ثم قصد سيف الدولة في السنة الثانية من هذه السنة بنفسه الموصل فانهزم منها أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان إلى الجزيرة، ونزل عضد الدولة في دار أبي تغلب بالموصل وولى بها الدواوين ومضى أبو تغلب من الجزيرة إلى ميافارقين ثم الأندلس ورتب قلاعه هناك فجهز خلفه عضد الدولة جيشا فهرب إلى بلاد الروم فطلب منهم الإستنجاد فلم ينجدوه، وما زال عضد الدولة يفتح بلاد أبي تغلب حصنا حصنا حتى استفتحها كلها، ثم التجأ أبو تغلب إلى صاحب مصر فسار إليه وهو يومئذ الملقب بالعزيز بالله وعاد أخو أبي تغلب الحسين إلى عضد الدولة فصار معه فأكرمه واستفتح عضد الدولة بلاد أبي تغلب وقلاعه وكان فيها أموال جمة قد جمعها أبو تغلب وغيره فاستولى عليها ورتبها وعاد إلى بغداد فعظمه الطائع وأمر أن تضرب على بابه الدبادب والبوقات في أوقات الصلوات الثلاث المغرب، والعشاء، والصبح ولم يتقدم هذا لأحد من ولاة العهود، وتزوج الطائع ابنة عضد الدولة، وخرج عضد الدولة إلى همدان لإصلاح البلاد فقدم عليه الصاحب بن عباد وهو يومئذ وزير للأمير مؤيد الدولة أبي منصور ركن الدولة الحسن بن بويه أخي عضد الدولة فتلقاه عضد الدولة بالإكرام وبالغ في الإحسان إليه وسمع كلامه وأعاده مكرما وبعث على يده هدية لأخيه لا يقديه، وعاد عضد الدولة إلى بغداد وبعث إلى الطائع رسولا في الليل أن يتلقاه ويعظمه فامتثل الطائع فخرج في لقائه، ولم تجر عادة قبل ذلك بخروج الخليفة للقاء أمير ولا سلطان ولا ولي عهد، هذا ذكره ابن أبي الدم.

صفحه ۱۳۸