ويؤيد هذا القول ما روي: ( أنه قال صلى الله عليه وسلم من سمع النداء فليجب، ومن لم يجب فلا صلاة إلا من عذر، قيل: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو مرض )([13]). فهذا عندي في زمان الناس فيه كلهم صالحون، والمسلمون هم الغالبون للناس، والحاكمون عليهم يأمرون بالمعروف علانية، وينهون عن المنكر علانية، لا يخافون في الله لومة لائم، فعند ذلك ينبغي للمسلم أن لا يعتزل المسلمين ولا يغيب عن جماعتهم، لأن المسلمين يومئذ كلمتهم مجتمعه ودينهم واحد، وإن كان فيهم من لا يخاف الله فهو مقهور ذليل، وأما زمان افترق فيه الناس في أديانهم وظهر المنكر، وولي على الناس الأشرار، ودخل في الأمور من لا يصلح نفسه، وولي على الناس من يأخذ الهدايا والسحت ويقدم الأشرار ويؤخر الأخبار، فليس حال أحسن للمسلم في ذلك الزمان من الكتمان.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا أدركت الزمان فكف يديك ولسانك عن المعونة، قال: وكن كابن لبون لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب، قال: وكن كحلس من أحلاس بيتك واعتزل الناس وما هم فيه، وقال أيضا ابن مسعود رضي الله عنه: ألا ففروا من الفتنة كما تفر الوحوش بأولادها، ألا فالحذر ثم الحذر فإنه لن ينجو من الفتنة إلا من ضاجع الذل، ولئن يقال لك: ذليل؛ خير من أن يقال لك: إنك من أصحاب السعير؛ والله أعلم.
وإن صلى في بيته([14]) أو في مسجد منفردا ثم أصاب الناس يصلون تلك الصلاة بالجماعة؛ فليصل ويجعلها نافلة([15])، والدليل على هذا: ما روي: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس وفي مجلسه رجل يسمى محجنا فأقيمت الصلاة فقام فصلاها، فلما فرغ من صلاته نظر إلى محجن وهو في مجلسه، فقال النبي عليه السلام: ما منعك أن تصلي معنا، ألست برجل مسلم؟ فقال: بلى يا رسول الله، ولكن قد صليت في أهلي، فقال له صلى الله عليه وسلم: إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وإن كنت قد صليت )([16])؛ فهذا يدل أنه يجلها نافلة([17]).
صفحه ۴۹۵