المقدمة
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين - أما بعد:
فأقدِّم للقارئ الكريم الرسالة الأولى من «رسائل التوبة من ...» التي تتحدَّث عن داءٍ خبيثٍ يحصد الحسنات ويجلب السيئات ويضيع الأوقات، ألا وهو داء «الغِيبة» الذي ساعد على تفشِّيه في المجتمع قلَّة الوازع الديني وتيسُّر أسباب المعيشة وكثرة أوقات الفراغ، كما أنَّ لسهولة الاتصالات الهاتفية سهمًا في ذلك.
أدعو الله العلي القدير أن تكون هذا الرسالة - وإن صغر حجمها - بابًا للخير والتوبة؛ تُعلِّم الجاهل وتُذكِّر الغافل وتُنبِّه العاصي.
جعل الله أعمالنا خالصة لوجهه الكريم
* * *

1 / 5

تمهيد
اعلم أخي الكريم أنَّ مَن حَفِظ لسانه قلَّ خطؤه، وكان أملك لزمام أمره، وأجدر ألاَّ يقع في محذور .. وقد ضمن له النبيُّ ﷺ الجنة في قوله: «من يضمنْ لي ما بين لُحييه وما بين رِجليه، أضمنْ له الجنة» (١).
وما بين اللُحيين هو اللسان، وما بين الرِّجلين هو الفرج.
قال الإمام النووي ﵀:
اعلم أنه ينبغي لكلِّ مُكلَّفٍ أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلاَّ كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسُنة الإمساك عنه؛ لأنه قد يجرّ الكلام إلى حرامٍ أو مكروه، وذلك كثيرٌ في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء.
فمن استقام لسانه استقامت جوارحه، ومن عصى لسانه وخاض في أعراض الناس عصت جوارحه وانتهكت حرمات الله، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
«إذا أصبح ابن آدم فإنَّ الأعضاء كلَّها تكفر اللسان تقول: اتقِ الله فينا، فإنما نحن بك؛ فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» (٢).

(١) رواه البخاري (١١/ ٢٦٤) في الرقاق: باب حفظ اللسان، والترمذي رقم (٢٤١٠) في الزهد: باب ما جاء في حفظ اللسان.
(٢) رواه الترمذي رقم (٢٤٠٩) في الزهد، باب: ما جاء في حفظ اللسان، وهو حديث حسن.

1 / 6

قال النووي ﵀: معنى «تكفر اللسان» أي تذلّ وتخضع.
وقال الألباني ﵀: أو هو كنايةٌ عن تنزيل الأعضاء اللسان منزلة الكافر بالنعم.
أخي الكريم:
إنَّ اللسان من نعم الله العظيمة، ولَطائف صنعه الغريبة؛ فإنه صغير جَرمه، عظيمٌ طاعته وجُرمه؛ إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلاَّ بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والعصيان.
واللسان رحب الميدان ليس له مردّ، ولا لمجاله منتهى وحدّ، له في الخير مجال رحب، وله في الشر ذيل سحب، فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخيّ العنان؛ سلك به الشيطان في كلِّ ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البور، ولا يكبُّ الناس في النار على مناخرهم إلاَّ حصائد ألسنتهم، لا ينجو من شرِّ اللسان إلاَّ من قيَّده بلجام الشرع، فلا يُطلقه إلاَّ فيما ينفعه في الدنيا والآخرة.
* * *

1 / 7

تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان
قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[الحجرات: ١٢].
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
وعن أبي موسى ﵁ قال:
قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟
قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» (١).
وقال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت» (٢).

(١) رواه الإمام مسلم رقم (٤٢) في الإيمان ن باب بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل.
(٢) رواه مسلم رقم (٤٨) في الإيمان، باب الحثِّ على إكرام الجار، وهو جزء من حديث طويل.

1 / 8

وعنه ﷺ أنه قال: «إنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيَّن فيها يُزلُّ بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» (١).
وفي رواية: «... وإنَّ الرجل ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله ما كان يظنُّ أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه» (٢).
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال:
قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟
قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» (٣).
وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما أخبر الرسول ﷺ برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ... ثم قال ﷺ: «ألا أخبرك بِمِلاك ذلك كلِّه؟»
قلت: بلى يا رسول الله.
فأخذ بلسانه وقال: «كُفَّ عليك هذا».

(١) رواه البخاري (١١/ ٢٦٦) في الرقاق، باب حفظ اللسان، ومسلم رقم (٢٩٨٨) في الزهد، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار، والموطأ (٢/ ٩٨٥) في الكلام، باب ما يكره من الكلام.
(٢) رواه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٩٨٥) في الكلام، باب ما يؤمر به من التحفظ في الكلام، والترمذي رقم (٢٣٢٠) في الزهد، باب في قلة الكلام، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) رواه الترمذي رقم (٢٤٠٨) في الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان، وقال: هذا حديث حسن.

1 / 9

قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟
فقال: «ثكلتك أمُّك، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم إلاَّ حصائد ألسنتهم؟» (١).
ولننظر إلى عقاب المغتاب في الدنيا والآخرة.
قال ﷺ: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته، ومن تتبَع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته» (٢).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال:
كنا مع النبي ﷺ فارتفعت ريح منتنة، فقال رسول الله ﷺ: «تدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين» (٣).
وعن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ: «لَمَّا عُرِج بي مررت بقومٍ لهم أظفارٌ من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا

(١) رواه الترمذي رقم (٢٦١٩) في الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، وهو حديث صحيح بطرقه.
(٢) رواه أحمد في (المسند) (٤/ ٤٢١، ٤٢٤)، وأبو داود رقم (٤٨٨٠) في الأدب: باب في الغيبة، والترمذي رقم (٢٠٣٣) في البر والصلة: باب تعظيم المؤمن عن عبد الله بن عمر ﵁.
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥١)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد للبخاري رقم (٥٦٢).

1 / 10

جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» (١).
والغيبة - أخي المسلم - مُحرَّمة بالإجماع.
قال الإمام القرطبي: الإجماع على أنها من الكبائر، وأنه يجب التوبة منها إلى الله.
* * *

(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٤) وأبو داود رقم (٤٨٧٨) و(٤٨٧٩) في الأدب، باب في الغيبة وهو صحيح.

1 / 11

تعريف الغيبة
الغيبة: هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقصٍ في بدنه أو نسبه أو في خُلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه، حتى في ثوبه وداره ودابته.
أمَّا البدن: فكذكرك العمش والحول والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة، وجمع ما يتصوَّر أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان.
أمَّا النسب: فكأن تقول: «أبوه نبطي، أو هندي، أو فاسق، أو خسيس، أو إسكاف، أو زبال ...»، أو شيئًا مما يكرهه كيفما كان.
أمَّا الخُلق: فكأن تقول: «هو سيئ الخلق، بخيل، متكبر، مراءٍ، شديد الغضب، جبان، عاجز، ضعيف القلب، متهور ...» وما يجري مجراه.
وأمَّا في أفعاله المتعلِّقة بالدِّين: فكقولك: «هو سارق، أو كذاب، أو شارب خمر، أو خائن، أو ظالم، أو متهاون بالصلاة، أو الزكاة، أو لا يحسن الركوع أو السجود، أو لا يتحرَّز من النجاسات، أو ليس بارًا بوالديه، أو لا يضع الزكاة موضعها، أو لا يحسن قسمها، أو لا يحرس صومه عن الرَّفث والغِيبة والتعرُّض لأعراض الناس ...».
أمَّا في فعله المتعلِّق بالدنيا: فكقولك: «إنه قليل الأدب،

1 / 12

متهاون بالناس، أو لا يرى لأحد على نفسه حقًّا، أو يرى لنفسه الحقَّ على الناس، أو أنه كثير الكلام، نئوم ينام في غير وقت النوم، ويجلس في غير موضعه ...».
وأمَّا ثوبه: فكقولك: «إنه واسع الكم، طويل الذيل، وسخ الثياب ...».
وقد عرَّف رسول الله ﷺ الغِيبة حين قال: «أتدرون ما الغيبة؟» ..
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «ذِكرك أخاك بما يكره».
قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟
قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه» (١).
* * *

(١) رواه مسلم رقم (٢٥٨٩) في البر والصلة: باب تحريم الغيبة، وأبو داود رقم (٤٨٧٤) في الأدب: باب في الغيبة، والترمذي رقم (١٩٣٥) في «البر والصلة» باب ما جاء في الغيبة.

1 / 13

الغيبة لا تقتصر على اللسان
أخي:
اعلم أنَّ الذكر باللسان إنما حُرِّم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة، وكلّ ما يُفهِم المقصود فهو داخل في الغِيبة، وهو حرام.
عن عائشة ﵂ قالت: دخلت علينا امرأة، فلما أومأت بيدي أنها قصيرة، قال ﷺ: «اغتبتيها» (١).
ومن ذلك أيضًا:
المحاكاة، كأن يمشي متعارجًا، أو كما يمشي، فهو غِيبة، بل هو أشدّ من الغيبة؛ لأنه أعظم في التصوير والتفهيم .. ولَمَّا رأى رسول الله ﷺ عائشة حاكت امرأة قال: «ما يسرني أني حاكيت إنسانًا ولي كذا وكذا» (٢).
وكذلك الغيبة بالكتابة؛ فإنَّ القلم أحد اللسانين.
وكلُّ هذا - أخي - وإن كان صادقًا فيما يقول فهو مغتابٌ عاصٍ لربِّه وآكل لحم أخيه.

(١) رواه أبو داود رقم (٤٨٧٥) في الأدب: باب الغيبة، وأحمد (٦/ ١٨٩، ٢٠٦) وإسناده صحيح.
(٢) رواه أبو داود رقم (٤٨٧٥) في الأدب: باب الغيبة، والترمذي رقم (٢٥٠٣ و٢٥٠٤) في صفة القيامة، باب تحريم الغيبة، وأحمد (٦/ ١٣٦) وإسناده صحيح.

1 / 14