آکام المرجان در احکام جان
آكام المرجان في أحكام الجان
ویرایشگر
إبراهيم محمد الجمل
ناشر
مكتبة القرآن-مصر
محل انتشار
القاهرة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله خَالق الْإِنْس وَالْجنَّة وَأشْهد أَن لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة تكون لمن تدرع بهَا أوقى جنه وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الدَّاعِي إِلَى الْجنَّة ﷺ وعَلى آله وَأَصْحَابه أولى الْبَأْس والنجدة صَلَاة يعظم بهَا عَلَيْهِم الْمِنَّة وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا يقوم بِالْفَرْضِ وَالسّنة كَمَا علم الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْهِ وأسنه
وَبعد فَهَذَا كتاب جَامع لذكر الْجِنّ وأخبارهم وَمَا يتَعَلَّق بأحكامهم وآثارهم وَكَانَ السَّبَب فِي تصنيفه ونسخه على هَذَا المنوال الْغَرِيب وترصيفه مذاكرة وَقعت فِي مَسْأَلَة نِكَاح الْجِنّ وإمكانه ووقوعه وضاق الْمجْلس عَن تقريرها وَتَحْقِيق المباحث فِيهَا وتحريرها ثمَّ رَأَيْت أَن هَذِه الْمَسْأَلَة تَقْتَضِي مُقَدمَات
الأولى تَقْرِير وجود الْجِنّ خلافًا لكثير من الفلاسفة وجماهير الْقَدَرِيَّة وكافة الزَّنَادِقَة وَغَيرهم وَفَسَاد قَول من أنكر وجودهم
الثَّانِيَة تَقْرِير أَن لَهُم أجساما مشخصة رقيقَة أَو كثيفة تتطور وتتشكل فِي صور شَتَّى ليمكن الوقاع ويتأتى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَصَوَّر بَين جسمين مماسين وَيتَفَرَّع على هَذَا ذكر تحيزهم وأكلهم وشربهم وتناكحهم فِيمَا بَينهم لِأَن جسم الْحَيّ لَا بُد لَهُ من تحيز وَتَنَاول مَا هُوَ سَبَب لنموه وبقائه وَبَقَاء جنسه بالتوالد
الثَّالِثَة بَيَان تكليفهم خلافًا للحشوية وَذَلِكَ لِأَن من جوز النِّكَاح بَين الْإِنْس وَالْجِنّ أما أَن يشْتَرط فِي نِسَائِهِم الْإِيمَان أَو أَن يكن من أهل الْكتاب لِأَن مَا اشْترط فِي حل النِّسَاء الآدميات أولى أَن يشْتَرط فِي الجنيات لِأَن الْقَائِل
1 / 17
بِجَوَاز نكاحهم لَا يفرق وَيتَفَرَّع على ذَلِك ذكر بعثة النَّبِي ﷺ إِلَيْهِم وَقبل بعثته إِلَيْهِم بِمَاذَا كَانُوا مكلفين هَل بعث إِلَيْهِم نَبِي مِنْهُم كَمَا يَقُوله الضَّحَّاك وَغَيره وَقطع بِهِ أَبُو مُحَمَّد بن حزم أَو كَانَ فهم نذر مِنْهُم لَيْسُوا رسلًا عَن الله تَعَالَى وَلَكِن بثهم الله تَعَالَى فِي الأَرْض فَسَمِعُوا كَلَام رسل الله ﷿ الَّذين هم من بني آدم وعادوا إِلَى قَومهمْ من الْجِنّ فأنذروهم وَهَذَا قَول جَمَاهِير الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف وَهَذَا كَمَا سمع النَّفر من الْجِنّ الْقُرْآن من النَّبِي ﷺ وعادوا إِلَى قَومهمْ فَقَالُوا انا سمعنَا كتابا أنزل من بعد مُوسَى وَكَانَ هَذَا قبل دَعْوَة النَّبِي ﷺ إيَّاهُم واجتماعهم بِهِ وَيتَفَرَّع على تكليفهم ثوابهم على الطَّاعَة وعقابهم على الْمعْصِيَة وَدخُول كافرهم النَّار ومؤمنهم الْجنَّة عِنْد بعض الْعلمَاء وَيتَفَرَّع على كل مُقَدّمَة مسَائِل تتأتى وتتفتح لَهَا أَبْوَاب شَتَّى يتشبث بَعْضهَا بأذيال بعض وينخرط فِي عقد سلكها دُرَر لَا يكَاد نظمها ينفض ويستطرد فِي غُضُون ذَلِك نكت وأخبار وعيون وَأَحَادِيث مروية عَنْهُم لَا تَنْتَهِي وَلِحَدِيث الْجِنّ شجون فاستخرت الله فِي إبراز هَذَا التصنيف وإحراز كثير مِمَّا ورد عَنْهُم فِي هَذَا التَّأْلِيف وَجَعَلته جَامعا لمهم أحكامهم حاويا لأحوالهم فِي رحلتهم ومقامهم رَافعا لستورهم دافعا لما يتطورون عَلَيْهِ من الكيد فِي صُدُورهمْ كاشفا لضمائرهم كاشفا لمناورهم ورتبت على كل مقطع بوابا وَفتحت لكل مطلع بَابا وضمنته مائَة وَأَرْبَعين بَابا وَقد يزِيد على ذَلِك بِمَا ينخرط فِي هَذِه المسالك من التوابع الَّتِي يتَعَيَّن إيرادها والفصول الَّتِي لَا يحسن إفرادها وسميته آكام المرجان فِي أَحْكَام الجان وَبِاللَّهِ استعيذ من الشَّيَاطِين ونزعاتهم وَبِه استعين على مَرَدَة الْجِنّ وطغاتهم وبقدرته أدفَع سطوة شرورهم وبعزته أدرأ فِي نحورهم وبذكره أتحصن من كيدهم وبقوته أوهن مَا قوى من أَيْديهم هُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
1 / 18
الْبَاب الأول
فِي بَيَان إِثْبَات الْجِنّ وَالْخلاف فِيهِ
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه الشَّامِل اعلموا رحمكم الله أَن كثيرا من الفلاسفة وجماهير الْقَدَرِيَّة وكافة الزَّنَادِقَة أَنْكَرُوا الشَّيَاطِين وَالْجِنّ رَأْسا وَلَا يبعد لَو أنكر ذَلِك من لَا يتدبر وَلَا يتشبث بالشريعة وَإِنَّمَا الْعجب من إِنْكَار الْقَدَرِيَّة مَعَ نُصُوص الْقُرْآن وتواتر الْأَخْبَار واستفاضة الْآثَار ثمَّ سَاق حَملَة من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وَقَالَ أَبُو قَاسم الْأنْصَارِيّ فِي شرح الْإِرْشَاد وَقد أنكرهم مُعظم الْمُعْتَزلَة وَدلّ إنكارهم اياهم على قلَّة مبالاتهم وركاكة دياناتهم فَلَيْسَ فِي إثباتهم مُسْتَحِيل عقلى وَقد دلّت نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على اثباتهم وَحقّ على اللبيب المعتصم بِحَبل الدّين أَن يثبت مَا قضى الْعقل بِجَوَازِهِ وَنَصّ الشَّرْع على ثُبُوته
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني وَكثير من الْقَدَرِيَّة يثبتون وجود الْجِنّ قَدِيما وينفون وجودهم الْآن وَمِنْهُم من يقر بوجودهم وَيَزْعُم أَنهم لَا يرَوْنَ لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فِيهَا وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّمَا لَا يرَوْنَ لأَنهم لَا ألوان لَهُم ثمَّ قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ والتمسك بالظواهر والآحاد تكلّف منا مَعَ إِجْمَاع كَافَّة الْعلمَاء فِي عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على وجود الْجِنّ وَالشَّيَاطِين والاستعاذة بِاللَّه تَعَالَى من شرورهم وَلَا يراغم مثل هَذَا الِاتِّفَاق متدين متشبث بمسكه من الدّين ثمَّ سَاق عدَّة أَحَادِيث ثمَّ قَالَ فَمن لم يرتدع بِهَذَا وَأَمْثَاله فَيَنْبَغِي أَن يتهم فِي الدّين ويعترف بالانسلال مِنْهُ على أَنه لَيْسَ فِي إِثْبَات الشَّيَاطِين ومردة الْجِنّ مَا يقْدَح فِي أصل من أصُول الْعقل وَقَضِيَّة من قضاياه وأكبر مَا يستروحون إِلَيْهِ خطور الْجِنّ بِنَا وَنحن لَا نراهم وَلَو شَاءَت
1 / 19
أبدلت لنا أَنْفسهَا وَإِنَّمَا يستبعد ذَلِك من لم يحط علما بعجائب المقدورات وَقَوْلهمْ فِي الْجِنّ يجرهم الى انكار الْحفظَة من الْمَلَائِكَة ﵈ وَمن انْتهى بهم الْمَذْهَب الى هَذَا وضح افتضاحه
قلت وَإِنَّمَا طويت ذكر مَا اورده إِمَام الْحَرَمَيْنِ من الْآيَات وَالْأَخْبَار لِأَن ذَلِك يأتى إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَبْسُوطا فِي كل بَاب بِحَسبِهِ
وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار بن أَحْمد بن عبد الْجَبَّار الْهَمدَانِي أعلم ان الدَّلِيل على اثبات وجود الْجِنّ السّمع دون الْعقل وَذَلِكَ أَنه لَا طَرِيق لِلْعَقْلِ إِلَى إِثْبَات أجسام غَائِبَة لِأَن الشَّيْء لَا يدل على غَيره من غير ان يكون بَينهمَا تعلق كتعلق الْفِعْل بالفاعل وَتعلق الاعراض بالمحال أَلا ترى أَن الدّلَالَة لما دلّت على حَاجَة الْفِعْل فِي حُدُوثه الى الْفَاعِل وَحَاجته فِي كَونه محكما الى كَون فَاعله قَادِرًا عَالما وَكَونه قَادِرًا عَالما يقتضى كَونه حَيا وَكَونه حَيا لَا آفَة بِهِ يقتضى كَونه سميعا بَصيرًا فَدلَّ الْفِعْل على أَن لَهُ فَاعِلا وَأَنه على أَحْوَال مَخْصُوصَة على مَا ذكرنَا بَينهمَا من التَّعَلُّق قَالَ وَلَا يعلم اثبات الْجِنّ باطرار أَلا ترى أَن الْعُقَلَاء الْمُكَلّفين قد اخْتلفُوا فَمنهمْ من يصدق بِوُجُود الْجِنّ وَمِنْهُم من كذب ذَلِك من الفلاسفة والباطنية وَإِن كَانُوا عقلاء بالغين مأمورين منهيين وَلَو علم ذَلِك باضطرار لما جَازَ أَن يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِك بل لم يجز ان يشكوا فِيهِ لَو شككهم فِيهِ مشكك أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يخْتَلف الْعُقَلَاء فِي أَن الارض تَحْتهم وَلَا أَن السَّمَاء فَوْقهم وَلَا يجوز أَن يشكوا فِي ذَلِك لَو شككهم فِيهِ مشكك وَفِي اخْتلَافهمْ فِي اثبات الْجِنّ وَالْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ دلَالَة على أَنه لَا يجوز أَن يعلم اثبات الْجِنّ ضَرُورَة ثمَّ قَالَ وَالَّذِي يدل على اثباتهم آي كثير فِي الْقُرْآن تغنى شهرتها عَن ذكرهَا وَأجْمع أهل التَّأْوِيل على مَا يذهب اليه من اثباتهم بظاهرها وَيدل أَيْضا على اثباتهم مَا علمناه باضطرار من ان النَّبِي ﷺ كَانَ يتدين بإثباتهم وَمَا روى عَنهُ فِي ذَلِك من الْأَخْبَار وَالسّنَن الدَّالَّة على اثباتهم أشهر من ان يشْتَغل بذكرها
1 / 20
فصل قَالَ الشَّيْخ ابو الْعَبَّاس بن تَيْمِية لم يُخَالف أحد من طوائف الْمُسلمين فِي وجود الْجِنّ وَجُمْهُور طوائف الْكفَّار على إِثْبَات الْجِنّ أما اهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فهم مقرون بهم كإقرار الْمُسلمين وَإِن وجد فيهم من يُنكر ذَلِك فَكَمَا يُوجد فِي بعض طوائف الْمُسلمين كالجهمية والمعتزلة من يُنكر ذَلِك وَإِن كَانَ جُمْهُور الطَّائِفَة وأئمتها مقرون بذلك وَهَذَا لِأَن وجود الْجِنّ تَوَاتَرَتْ بِهِ اخبار الانبياء ﵈ تواترا مَعْلُوما بالاضطرار وَمَعْلُوم بالاضطرار أَنهم أَحيَاء عقلاء فاعلون بالإرادة مأمورون منهيون لَيْسُوا صِفَات وأعراضا قَائِمَة بالانسان أَو غَيره كَمَا يزعمه بعض الْمَلَاحِدَة فَلَمَّا كَانَ أَمر الْجِنّ متواترا عَن الانبياء ﵈ تواترا ظَاهرا يعرفهُ الْعَامَّة والخاصة لم يُمكن طَائِفَة من طوائف الْمُؤمنِينَ بالرسل أَن ينكرهم فالمقصود هُنَا ان جَمِيع طوائف الْمُسلمين يقرونَ بِوُجُود الْجِنّ وَكَذَلِكَ جُمْهُور الْكفَّار كعامة أهل الْكتاب وَكَذَلِكَ عَامَّة مشركى الْعَرَب وَغَيرهم من أَوْلَاد سَام والهند وَغَيرهم من أَوْلَاد حام وَكَذَلِكَ جُمْهُور الكنعانيين واليونانيين وَغَيرهم من أَوْلَاد يافث فجماهير الطوائف تقر بِوُجُود الْجِنّ بل يقرونَ بِمَا يستجلبون بِهِ معاونة الْجِنّ من العزائم والطلاسيم سَوَاء كَانَ ذَلِك سائغا عِنْد أهل الْأَيْمَان أَو كَانَ شركا فَإِن الْمُشْركين يقراون من العزائم والطلاسم والرقى مَا فِيهِ عبَادَة للجن وتعظيم لَهُم وَعَامة مَا بأيدي النَّاس من العزائم والطلاسم والرقى الَّتِي لَا تفقه بِالْعَرَبِيَّةِ فِيهَا مَا هُوَ شرك بالجن وَلِهَذَا نهى عُلَمَاء الْمُسلمين عَن الرقى الَّتِى لَا يفقه بِالْعَرَبِيَّةِ مَعْنَاهَا لِأَنَّهَا مَظَنَّة الشّرك وَإِن لم يعرف الراقي أَنَّهَا شرك وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه رخص فِي الرقى مَا لم تكن شركا وَقَالَ من اسْتَطَاعَ ان ينفع أَخَاهُ فَلْيفْعَل وَقد كَانَ للْعَرَب ولسائر الْأُمَم من ذَلِك أُمُور يطول وصفهَا وَأُمُور وأخبار
1 / 21
الْعَرَب فِي ذَلِك متواترة عِنْد من يعرف أخبارهم من عُلَمَاء الْمُسلمين وَكَذَلِكَ عِنْد غَيرهم وَلَكِن الْمُسلمين أخبر بجاهلية الْعَرَب مِنْهُم بجاهلية سَائِر الْأُمَم
فصل وَلم يُنكر الْجِنّ الا شرذمة قَليلَة من جهال الفلاسفة والأطباء وَنَحْوهم أما أكَابِر الْقَوْم فالمأثور عَنْهُم إِمَّا الْإِقْرَار بهم وَإِمَّا أَن يحْكى عَنْهُم قَول فِي ذَلِك وَأما الْمَعْرُوف عَن أبقراط أَنه قَالَ فِي بعض الْمِيَاه إِنَّه ينفع من الصراع لست أَعنِي الصرع الَّذِي يعالجه أَصْحَاب الهياكل وَإِنَّمَا أَعنِي الصرع الَّذِي تعالجه الْأَطِبَّاء وَأَنه قَالَ طبنا مَعَ طب أهل الهياكل كطب الْعَجَائِز مَعَ طبنا وَلَيْسَ لمن أنكر ذَلِك حجَّة يعْتَمد عَلَيْهَا تدل على النَّفْي وَإِنَّمَا مَعَه عدم الْعلم إِذا كَانَت صناعته لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على ذَلِك كالطبيب الَّذِي ينظر فِي الْبدن من جِهَة صِحَّته ومرضه الَّذِي يتَعَلَّق بمزاجه وَلَيْسَ فِي هَذَا تعرض لما يحصل من جِهَة النَّفس وَلَا من جِهَة الْجِنّ وَإِن كَانَ قد علم من طبه ان للنَّفس تَأْثِيرا عَظِيما فِي الْبدن أعظم من تَأْثِير الْأَسْبَاب الطبية وَكَذَلِكَ للجن تَأْثِير فِي ذَلِك قَالَ ﷺ فِي الحَدِيث إِن الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم أهـ
وَهُوَ البخار الَّذِي تسميه الْأَطِبَّاء الرّوح الحيواني المنبعث من الْقلب الساري فِي الْبدن الَّذِي بِهِ حَيَاة الْبدن
فصل قَالَ ابْن دُرَيْد الْجِنّ خلاف الْإِنْس وَيُقَال حنه اللَّيْل وأحنه وحن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد إِذا ستره وكل شَيْء استتر عَنْك فقد جن عَنْك وَبِه سميت الْجِنّ وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسمون الْمَلَائِكَة جنا لاستتارهم عَن الْعُيُون وَالْجِنّ وَالْجنَّة وَاحِد وَالْجنَّة مَا واراك من السِّلَاح قَالَ والحن بِالْحَاء زَعَمُوا أَنهم ضرب من الْجِنّ قَالَ الراجز
1 / 22
(يلعبن أحوالي من حن وحن ...)
قَالَ ابو عمر الزَّاهِد الحن كلاب الْجِنّ وسفلتهم وَقَالَ الْجَوْهَرِي الجان ابو الْجِنّ وَالْجمع جينان مثل حَائِط وحيطان والجان إيضاحية بَيْضَاء قلت وَقد وَقع فِي كَلَام السُّهيْلي فِي النتائج ان الْجِنّ تشْتَمل على الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن عَن الْأَبْصَار فَإِنَّهُ قَالَ وَمِمَّا قدم للفصل والشرف تَقْدِيم الْجِنّ على الْإِنْس فِي أَكثر الْمَوَاضِع لِأَن الْجِنّ تشْتَمل على الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن عَن الابصار قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا﴾ وَقَالَ الاعشى ... وسخر من جن الملائك سَبْعَة ... قيَاما لَدَيْهِ يعْملُونَ بِلَا أجرل ...
فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لَا يسْأَل عَن ذَنبه إنس وَلَا جَان﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأَنا ظننا أَن لن تَقول الْإِنْس وَالْجِنّ على الله كذبا﴾
فَإِن لفظ الْجِنّ هَهُنَا لايتناول الْمَلَائِكَة بِحَال لنزاهتهم عَن الْعُيُوب وَأَنه لَا يتَوَهَّم عَلَيْهِم الْكَذِب وَلَا سَائِر الذُّنُوب فَلَمَّا لم يتناولهم عُمُوم اللَّفْظ لهَذِهِ الْقَرِينَة بَدَأَ بِلَفْظ الْإِنْس لفضلهم وكمالهم
وَقَالَ ابْن عقيل إِنَّمَا سمي الْجِنّ جنا لاستجنانهم واستتارهم عَن الْعُيُون مِنْهُ سمي الْجَنِين جَنِينا وَالْجنَّة للحرب جنَّة لسترها والمجن مجنا لستره للمقاتل فِي الْحَرْب وَلَيْسَ يلْزم بِأَن ينتقص هَذَا بِالْمَلَائِكَةِ لِأَن الْأَسْمَاء المشتقة لَا تنَاقض أَلا ترى أَن الخابئة سميت بذلك لاشتقاقها من الخبئ وَأَنه يخبأ فِيهَا وَلَا يُقَال يبطل بالصندوق فَإِنَّهُ يخبأ فِيهِ وَلَا يُسمى صندوقا وَالشَّيَاطِين
1 / 23
العصاة من الْجِنّ وهم ولد إِبْلِيس والمردة أعتاهم وأغواهم وهم أعوان إِبْلِيس ينفذون بَين يَدَيْهِ فِي الأغواء كأعوان الشَّيَاطِين قَالَ الْجَوْهَرِي كل عَاتٍ متمرد من الْجِنّ وَالْإِنْس وَالدَّوَاب شَيْطَان قَالَ جرير ... أَيَّام يدعونني الشَّيْطَان من غزل ... وَهن يهوينني إِذْ كنت شَيْطَانا ...
وَالْعرب تسمي الْحَيَّة شَيْطَانا قَالَ يصف نَاقَته ... تلاعب مثنى حضرمي كَأَنَّهُ ... تعمج شَيْطَان بِذِي خروع قفر ...
وَقَوله تَعَالَى ﴿طلعها كَأَنَّهُ رُؤُوس الشَّيَاطِين﴾
قَالَ الْفراء فِيهِ ثَلَاثَة أوجه احدها ان يشبه طلعها فِي قبحه برءوس الشَّيَاطِين لِأَنَّهَا مَوْصُوفَة بالقبح وَالثَّانِي أَن الْعَرَب تسمى بِهِ بعض الْحَيَّات والشيطان نونه أَصْلِيَّة قَالَ امية ... أَيّمَا شاطن عَصَاهُ عكاه ... ثمَّ يلقى فِي السجْن والأغلال ...
وَيُقَال أَيْضا إِنَّهَا زَائِدَة فَإِن جعلته فيعالا من قَوْلهم شيطن الرجل صرفته وَإِن جعلته من تشيطن لم تصرفه لِأَنَّهُ فعلان
وَقَالَ ابو الْبَقَاء الشَّيْطَان فيعال من شطن يشطن إِذا بعد وَيُقَال فِيهِ شاطن وتشيطن وَسمي بذلك كل متمرد لبعد غوره فِي الشَّرّ وَقيل هُوَ فعلان من شاط يشيط إِذا هلك فالمتمرد هَالك بتمرده وَيجوز ان يكون سمي بفعلان لمبالغته فِي إهلاك غَيره
وَقَالَ القَاضِي ابو يعلى الشَّيَاطِين مَرَدَة الْجِنّ وأشرارهم وَكَذَلِكَ يُقَال فِي الشرير مارد وَشَيْطَان من الشَّيَاطِين وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿شَيْطَان مارد﴾
وَقَالَ الْجَوْهَرِي شطن عَنهُ بعد وأشطنه ابعده
وَقَالَ ابْن السّكيت شطنه يشطنه شطنا إِذا خَالف عَن نِيَّة وَجهه وبئر شطون بعيدَة القعر وَنوى شطون بعيد
1 / 24
وَقَالَ ابْن دُرَيْد زعم قوم من اهل اللُّغَة أَن اشتقاق ابليس من الابلاس كَأَنَّهُ إبلس أَي يئس من رَحْمَة الله وإبلس الرجل إبلاسا فَهُوَ مبلس إِذا يئس
قلت وَهَذَا يدل على أَن إِبْلِيس إِنَّمَا سمي بِهَذَا الِاسْم بعد لعن الله تَعَالَى إِيَّاه وَقد روى ابْن ابي الدُّنْيَا وَغَيره عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ اسْم إِبْلِيس حَيْثُ كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَة عزازيل وَكَانَ من الْمَلَائِكَة ذَوي الأجنحة الْأَرْبَعَة ثمَّ إِبْلِيس بعد وَعَن ابي الْمثنى قَالَ كَانَ اسْم ابليس نائل فَلَمَّا أَسخط الله تَعَالَى سمي شَيْطَانا وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ لما عصى إِبْلِيس لعن وَصَارَ شَيْطَانا وَعَن سُفْيَان قَالَ كنية إِبْلِيس ابو كدوس
وَقَالَ ابو الْبَقَاء وإبليس اسْم أعجمي لَا ينْصَرف للعجمة والتعريف وَقيل هُوَ عَرَبِيّ واشتقاقه من الإبلاس وَلم ينْصَرف للتعريف وَلِأَنَّهُ لَا نَظِير لَهُ فِي الاسماء وَهَذَا بعيد على أَن فِي الْأَسْمَاء مثله نَحْو إخريط وإحفيل وإصليت
قَالَ ابو عمر بن عبد الْبر الْجِنّ عِنْد أهل الْكَلَام وَالْعلم بِاللِّسَانِ منزلون على مَرَاتِب فَإِذا ذكرُوا الْجِنّ خَالِصا قَالُوا جني فَإِن أَرَادوا أَنه مُمكن يسكن مَعَ النَّاس قَالُوا عَامر وَالْجمع عمار فَإِن كَانَ مِمَّن يعرض للصبيان قَالُوا أَرْوَاح فَإِن خبث وتعزم فَهُوَ شَيْطَان فَإِن زَاد على ذَلِك فَهُوَ مارد فَإِن زَاد على ذَلِك وقوى امْرَهْ قَالُوا عفريت وَالْجمع عفاريت وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ
1 / 25
الْبَاب الثَّانِي فِي ابْتِدَاء خلق الْجِنّ
قَالَ ابو حُذَيْفَة اسحاق بن بشر الْقرشِي فِي الْمُبْتَدَأ حَدثنَا عُثْمَان حَدثنَا الْأَعْمَش عَن بكير بن الْأَخْنَس عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط الْقرشِي عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ خلق الله تَعَالَى بني الجان قبل آدم بألفي سنة أهـ أخبرنَا جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ وَكَانَ الْجِنّ سكان الأَرْض وَالْمَلَائِكَة سكان السَّمَاء وهم عمارها لكل سَمَاء مَلَائِكَة وَلكُل اهل سَمَاء صَلَاة وتسبيح وَدُعَاء فَكل سَمَاء فَوق سمائهم أَشد عبَادَة وَأكْثر دُعَاء وَصَلَاة وتسبيحا من الَّذين تَحْتهم فَكَانَت الْمَلَائِكَة عمار السَّمَاء وَالْجِنّ عمار الأَرْض أهـ
وَقَالَ بَعضهم عمروا الارض الفي سنة وَقَالَ بَعضهم اربعين سنة وَقَالَ اسحاق قَالَ ابو روق عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ خلق الله سوميا ابو الْجِنّ وَهُوَ الَّذِي خلق من مارج من نَار قَالَ ﵎ تمن قَالَ أَتَمَنَّى أَن نرى وَلَا نرى وَأَن نغيب فِي الثرى وَأَن يصير كهلنا شَابًّا فَأعْطِي ذَلِك فهم يرَوْنَ وَلَا يرَوْنَ وَإِذا مَاتُوا غَيَّبُوا فِي الثرى وَلَا يَمُوت كهلهم حَتَّى يعود شَابًّا يَعْنِي مثل الصَّبِي يرد الى أرذل الْعُمر قَالَ وَخلق الله تَعَالَى آدم فَقيل لَهُ تمن قَالَ فتمنى الْجَبَل فَأعْطِي الْجَبَل وَقَالَ إِسْحَاق حَدثنِي جُوَيْبِر وَعُثْمَان بإسنادهما أَن الله تَعَالَى خلق الْجِنّ وَأمرهمْ بعمارة الارض فَكَانُوا يعْبدُونَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ حَتَّى طَال بهم الأمد فعصوا الله ﷿ وسفكوا الدِّمَاء وَكَانَ فيهم ملك يُقَال لَهُ يُوسُف فَقَتَلُوهُ فَأرْسل الله تَعَالَى عَلَيْهِم
1 / 26