اضواء بر سنت محمدی
أضواء على السنة المحمدية
كان التدوين في هذا العصر يمزج الحديث بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم كما قال ابن حجر ، وظل على ذلك إلى تمام المائتين . وهذا هو الطور الثاني من أطوار التدوين . التدوين بعد المائتين : أخذت طريقة تدوين الحديث بعد المائتين صورة أخرى ، ذلك أن يفرد حديث النبي خاصة بالتدوين ، بعد أن كان مشوبا بغيره مما ليس بحديث ، فصنف عبيدالله بن موسى العبسى الكوفي (213) مسندا ، وصنف مسدد بن مسرهد البصري (228) مسندا ، وصنف الحميدى (219) مسندا وغيرهم . واقتفى الائمة بعد ذلك أثرهم كالامام أحمد (241) وإسحاق بن راهويه (237) وغيرهما ، ولئن كانت هذه المسانيد قد أفردت الحديث وحده بالتدوين ولم تخلط به غيره من أقوال الصحابة ولا غيرهم - إنها كانت تجمع بين الصحيح وغير الصحيح . مما كان يحمله سيل الرواية في هذا الزمن من الاحاديث ، إذ لم يكن قد عرف إلى هذا العصر تقسيم الحديث إلى ما تعارفوا عليه من صحيح وحسن وضعيف ولذلك كانت هذه المسانيد دون كتب السنن في المرتبة ولا يسوغ الاحتجاج بها مطلقا ، وسنتكلم عن هذه المسانيد فيما بعد وعن منزلتها بين كتب الحديث المعروفة . وقد استمر التدوين على هذا النمط إلى أن ظهرت طبقة البخاري . ومن ثم أخذ صورة أخرى ودخل في دور جديد ، هو دور التنقيح والاختيار . قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري : لما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها ، وانتشق رياها واستجلى محياها وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين ، والكثير منها يشمله التضعيف (1) فلا يقال لغة سمين ، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذى لا يرتاب فيه أمين ، وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه . . قال أبو عبد الله بن إسماعيل البخاري : كنا عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم
---
(1) بل الوضع كما سيتبين لك . (*)
--- [ 267 ]
صفحه ۲۶۶