ألا ترى إلى طاعة أهل المملكة لملكها، وطاعة الملك لطبيبه، ما لا يطيع أبويه، ولا أحدا من حشمه، وأهله، وكشف سره إليه، ما لا يكشفه إليهم، لما يرجوه عنده من النفع، والمصلحة؟! ولقد حكى عن جبريل طبيب المأمون أنه قال له يوما: يا أمير المؤمنين! أنا مصلح أدمغة الملوك، والقضاة، منذ خمسين سنة، فكيف أقاس بغيرى؟! فاستحسن ذلك منه. وأيضا فإنك ترى حرم الملوك، وغيرهم، يكشفون للطبيب من أسرارهم، ما لا يستجيزون كشفه لرجالهم. فبذلك، وأشباهه، وجب لصناعة الطب الشرف، ولأهلها التقدم على سائر أهل الصنائع والمهن.
ولعل قائلا يقول: إن الفلسفة التى هى مقومة النفوس أشرف من صناعة الطب! فنقول له: إن الفلسفة لعمرى شريفة لشرف موضوعها، غير أنك لا تقدر 〈أن〉 تخرجها عن أن تكون طبا للنفوس. فإذا كل فيلسوف طبيب، وكل طبيب فاضل فيلسوف. فالفيلسوف لا يقدر على إصلاح غير النفس، والطبيب الفاضل يقدر على إصلاح النفس والبدن جميعا. فإذن الطبيب يستحق أن يقال فيه: إنه المتشبه بأفعال البارئ تعالى، بحسب طاقته. وهذا هو بعض حدود الفلسفة. وفيما ذكرناه من هذا الباب كفاية.
صفحه ۱۲۲