أنا ما أقف الليلة لأمتدح سلامة موسى، فإننا تعودنا ألا يمتدح أحدنا الآخر، بل بالعكس كان أشهى شيء إلينا أن ينقد الواحد منا عمل الآخر نقدا نزيها صريحا، إني لو صورت سلامة موسى على حقيقته - وأعتقد أني أستطيع - فكأني أصور رجلا يدور حول نفسه، يبحث عن شيئين: الأول عن عيب فيما صنع، لعله يستطيع تلافيه في المستقبل.
والثاني الذي يبحث عنه، عن ناقد مخلص يستطيع أن يستزيد منه علما ومعرفة.
بل أكاد أتخيله، بعدما يفرغ من عمل قضى فيه الليالي الطوال دارسا باحثا منقبا، أتخيله كذلك المثال الذي جاء تمثاله آية، وأخذ الجائزة الكبرى في المعرض، لقد شوهد ذلك المثال يبكي، يبكي لا من الفرح ولكن من القهر، وهو يدور بعينيه في جوانب التمثال، فلما سئل عن بكائه قال: «لأني أبحث عن عيب فلا أجد ...»!
وأتخيل سلامة موسى كذلك بعد أن يفرغ من عمل فني استنفد جهده وأقض مضجعه وأخذ من نور بصره ... أتخيله كذلك الكاتب الإغريقي الذي يعلم أن محاولة الكمال من المحال، فيصيح يائسا، يائسا من العمر ألا يتسع لتمام الكمال في أي عمل مهما كان صغيرا: «لم يعد من المجهود إلا سبيل من اثنين: إما أن أحرق ما صنعت، وإما أن ألقي به للسوق.»
هذا هو سلامة موسى في صورة مجملة، أما التفاصيل فتذكرني بتفاصيل «ه.ج. ولز» قطعة قطعة، حتى لقد قلت حين علمت أن سلامة موسى في بدء حياته تتلمذ على عالم من علماء إنجلترا، وكان يلازمه ملازمة الظل ، إن هذا العالم ليس إلا ولز.
ولز بدأ حياته عالما في البيولوجية، وهكذا فعل سلامة.
ولز أخذ يبني الكوارث على أسباب اقتصادية، كما يتضح لنا من كتاب «سعادة البشر ومالهم ورخاؤهم»، وسلامة موسى هو أول مصري تكلم عن أهمية الأرقام الاقتصادية في تاريخ مصر والمصريين.
أجل يا سادتي، لقد كنت أقرأ له بعض الأحايين مقالات عن القطن المصري، أو العامل المصري، والتعطل المصري، فيعتريني دوار، يعتريني شيء كمن عاش في حلم فأفاق على حقيقته، فأقتطع المقال، وقد خيل إلي أن عليه أثر العرق والتعب والدموع، أقتطع المقال وأحتفظ به كما أحتفظ بقصيدة جميلة سأعود إليها مرة واثنتين.
وكان ولز مدرسا في حقبة من عمره، وسلامة موسى يمارس التدريس والتعليم، لا في المدارس، بل في الحياة.
هنا في هذه الجمعية الموقرة كنت أستمع إليه محاضرا ومعلما، وهو في ارتجاله كان أروع مما هو في مقالاته المحضرة؛ لأن ارتجاله يغرف من مخ موسوعي، أما مقالاته المحضرة، فرغم جودتها، كانت تتحدد بالموضوع الذي أراد أن يتحدث عنه.
صفحه نامشخص