ونحن نحتاج إلى القصة العلمية كي يلوك قراؤنا موضوعاتها ويأخذوا بنزعاتها ويشربوا روحها، ولكن مع النزعة الإنسانية السلمية التي نهدف منها إلى إيجاد مجتمع علمي ينهض على النظافة والصحة ومهارة اليد وذكاء العقل وتنظيم الحرية وتوفير الرخاء، وما أجمل أن تؤلف لنا قصة عن الممكنات في استخدام الذرة في المواصلات، أو اختراع بروتين جديد يجعلنا نعيش مائتي سنة أو يكفي ضعفي سكان هذا العالم، أو غذاء جديد يزيد الذكاء.
أما إذا كانت القصة العلمية ستصف لنا الطيار «الشجاع» الذي يلقي قنابله على الأطفال والنساء، فإنها تكون عندئذ شرا وإجراما.
لقد كانت القصة القديمة تؤلف للهو وتحوي امرأة لعوبا لها صدر ولها ظهر ونحو ذلك، ولكن القصة العصرية يجب أن تعلو على ذلك، وأن يكون موضوعها مشكلة سيكلوجية أو اجتماعية أو فلسفية أو علمية يعرضها المؤلف كي يثير بها ذكاء القارئ ويزيد بها إنسانيته ويخدم بها الرقي البشرى العام.
أجد أحيانا في أدبائنا الجدد، كتاب القصص، سخطا ومضضا لأنهم يعتقدون أنهم مبخوسون، وأن أدب الديباجة بالأسلوب الرصين وبديع الاستعارة، لا يزال يجد التقدير دون أدبهم الجديد.
ولكنهم واهمون؛ لأن هذا التقدير إنما يأتي من «السلطات» كما كانت الحال في العهود الماضية حين كان عند وزارة المعارف أدباء «مسجلون» تشترك في مؤلفاتهم أو تشترك في مجلاتهم بالألوف، ثم تطرح هذه المؤلفات والمجلات على الرفوف ميتة مكدسة لا يفض غلاف أحدها سنة أو سنتين.
والأدب الجديد لم يكن يجد الرواج عند «السلطات» ولكنه وجده عند الجمهور، ومن هنا الثقة بأن المستقبل له، واليقين بأن النصر من نصيبه.
أدباؤنا الجدد، الذين يؤلفون القصة ويعتصرون إحساساتها من قلوبهم، والذين يعلمون الشعب كيف يحيا الحياة الفنية، وكيف يزداد وجدانا في الآفاق الإنسانية، والذين يترفعون عن أن يؤلفوا للهو والعبث، هؤلاء الأدباء هم قادة الأذهان وبناة الطرز الذوقية لمستقبل شعبنا.
ومهما لقوا من بخس «السلطات»، ومهما حرموا المكافآت التي تذهب إلى أدباء «الديباجة»، فإنهم سيجدون الرواج من الشعب.
والشعب هو كل شيء أولا وآخرا، ولا عبرة بما يصفه به أدباء الديباجة، وما يزعمونه، من أن ما يكتبونه للخاصة أو خاصة الخاصة. •••
ولكن من أكبر ما يؤخذ على كثير من كتاب القصص أنها تخلو من النزعة الإنسانية.
صفحه نامشخص