أمر السلطان للنشّو أن يَعمَل له مولدًا للنبي ﷺ ويجمعَ له الفقراء بعد الختم في جامع القلعة فصنع له ذلك وجاءت مشايخ الصوفية، وعملوا سماعًا على باب دور السلطان، والنشّو واقف، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، ووقف أقبغا عبد الواحد وألطنقش الأُستاذ دار في خدمته طول تلك الليلة، ودخل هو ورقَص، وحكاه البدرُ فزاد والبَدر نَقَص، ما خطر إلا وبانت خَجْلَةُ الأغصان، ولا تَثَنّى إلاّ وقُلتُ: هذا قضيب النقا وأوراقه القُمصان، ورقص إخوته جُملةً معه. ونظرهم الناس فقالوا: هذه كواكب السماء مجتمعة، ولم يَنَم تلك الليلة فرحًا بما رآه، ولا استقر على الأرض لِمَا فارقه من الحجر علي ونآه.
وخلَع في تلك الليلة على جماعة المغاني والذين قرؤوا القرآن والسبع المثاني، ونقّط بجمل من الذهب، وفاق الريح لما جاء ووَهَبْ، وكانت ليلة ما عهد الناس مثلها في عصرهم ولا رأوه لك الوقت في مصرهم. ولكنه تجدّر قبل موته بقليل، وتحدّر ذاك الحبّ اللؤلؤي على خدّه الأسيل. فأطلع الله النجوم على صفحة البدر، وضمّ ذاك الجوهر على وجهه وكأنه حليّ نثر في صدر، فغَيَّرتْ من محاسنه شيئًا، ونسخت من ظلها فيئًا، ولكن معالم جماله كما هِيْ، وتخاطيط وجهه للشموس والأقمار تضاهي. ولمّا توفي رحمه الله تعالى وَجد أبوه عليه وَجْدًا عظيمًا، وكتم حزنه وأسفه عليه حتى راح كظيمًا، ونثر عليه عِقدَ دموعٍ كان في عينيه نظيمًا.
وقلت أنا فيه:
مضيتَ وكنتَ للدنيا جَمالًا ... وجَرّعْتَ الكواكبَ فيك فَقْدَكْ
ومنْ عَجَب الليالي فيك أن لا ... يموت أبوك يا آنوك بَعْدَكْ