فهل لكفك في عود ومضراب
إلا أننا نسأل ويحق لنا السؤال: هل كان حتما لزاما على المعري إذا هو سلم من الجدري وعاش بصيرا بين أهل زمانه أن يدرس الدراسة التي تشككه وتدفع به إلى البحث في أصول الأشياء؟ ألم يكن من الجائز أن استغراقه في الدراسة إنما كان نتيجة لفقد بصره وانصرافه عن الدراسات الأخرى التي يشتغل بها طلاب المناصب والمساعي الدنيوية؟ ألم يكن من الجائز أن يدرس - وهو طفل بصير - تلك الدروس التي ترشحه للقضاء كما رشحت بعض أهله من قبله؟ ألم يكن من الجائز إذا علمه أهله ليرشحوه لوظيفة القضاء أن يكتفي بدروسه الفقهية ولا يسترسل في دروس الحكمة والفلسفة وشكوك الأديان؟
كل ذلك مما يجوز، وقد ذكر هو المراتب والتطلع إليها في مواضع من شعره، وذكر الفتيا فقال:
قلدتني الفتيا فتوجني غدا
تاجا بإعفائي من التقليد
وقال يخاطب أبناء بلده:
يا قوم لو كنت أميرا لكم
ذممتم في الغيب ذاك الأمير
فإذا قنع الطفل أبو العلاء بدروس الوظائف والمساعي الدنيوية فربما ولي القضاء وعاش عيشة القضاة في زمانه، فلا يطيل الدرس ولا يتشعب في مناحيه بعيدا من فقه الدين وفتاوى القضايا الشرعية، وإذا تمادى به البحث مرة ودعاه إلى ذلك بعض ما يسمع ويرى من حوله فما هي إلا خطرة عارضة، لا تلبث أن تذهب كما جاءت أو تنطوي في خبايا النفس مزوية عن الأسماع والأبصار.
لقد كان إذن يجد الوظيفة والبصر ولكنه يعيش بعد موته في ظلام التاريخ.
صفحه نامشخص