ولن يضيق صدره أبدا بذوي الحاجات لديه، مع أنهم كانوا يلقونه على السلم، أو يقفون أمام غرفته صفوفا خلف صفوف، بل كثيرا ما كانوا يستوقفونه في الطريق ويزحمونه! وهو من الكاظمين الغيظ، ولن يستطيع قلبه الإنساني الكبير أن ينهر السائل فيزيده بؤسا على بؤسه وهو الذي عرف اليتم منذ حداثته، وذاق الشقاء ألوانا.
على أنه مهما بلغ من رحمته وبره بالمساكين، يعرف أساليب الماكرين إذا مكروا، فلا ينخدع بما يقولون وإنما يصرفهم بالحسنى، وإلا فبشيء من الشدة يشبه التأنيب ويراد به الزجر. دخل عليه رجل كسرت ساقه يسأله معاشا إذ قد كسرت في الحرب رجله، فسأله الرئيس أيحمل أية شهادة أو دليلا على صدق دعواه؟ ولكن الرجل لم يكن يحمل شيئا! فصاح به الرئيس قائلا: «ماذا؟ ليس لديك أية أوراق، أو أية شهادات، أو أي شيء يرينا كيف فقدت رجلك! ... فليت شعري ... كيف أتبين أنك لم تفقدها في فخ وقعت فيه وقد سطوت على بستان جارك؟!»
ويعجب القائمون على أمر الحكومة كيف يطيق الرئيس - وقد ملأت وقته الأحداث الجسام - أن يلقى هؤلاء الناس، ويستمع إلى مثل هذه الأمور الصغيرة، وكان جديرا به أن يكلها إلى غيره؟ ولكن، أليس هو من الناس؟ أليس خادم الجميع قبل أن يكون رئيس الجميع؟ وهل يغير المنصب ما فطرت عليه نفسه الكريمة من كريم الخصال؟!
ها هو ذا النجار الذي خرج من الغابة، تراه في البيت الأبيض ولم يزل هو هو؛ وداعة في قوة، وتواضع في عزة، ورقة في وقار ... ومن وراء ذلك قلب تسع رحمته شكوى الناس جميعا، قلب لا يتهنأ ولا يفرح إلا إذا صنع المعروف وأولى الجميل، فأفرح القلوب وأدخل عليها الهناءة.
وما كان أعظم الرئيس إذ ينزل إلى الشارع في الصباح الباكر فيستوقف أحد المارة قائلا: «نعم صباحك يا صاحبي ... ألم يصادفك أحد باعة الصحف؟ إن صادفك أحدهم فأرجو منك أن ترسله إلي.» وقد يعرف هذا أن الذي يرجوه هو الرئيس أبراهام لنكولن ... فيرد تحيته بقوله: «سعد صباحك يا أبانا أبراهام»، أو «طاب يومك يا أبا الناس!» وينطلق الرجل وفي نفسه كل معاني الإجلال للرئيس العظيم.
أما الرئيس فيعود لا إلى جناح إقامته وأسرته في البيت الأبيض، ولكن إلى جناح عمله في الناحية الجنوبية والصحيفة في يده، فما يفرغ من قراءتها حتى يشمر عن ساعديه قبل أن يحضر الموظفون، فيقرأ كثيرا من الأوراق، ويقطع برأي في بعض المسائل.
وما كان أعظم الرئيس وأجمل تواضعه حين كان يلقى في الطريق إلى حجرة الرياسة، أو إلى مقر أسرته، أحد معارفه ممن لاقاهم في مضطرب الحياة، فيصافحه في حماسة، ويناديه باسمه، ثم يضع يده على كتفه ويقف وإياه، ويضحك من فرط سروره إذ يسأله عن حاله وحال أسرته. ولقد يأخذه معه إلى قاعة الرياسة، فيذكر له الأيام الماضية، حتى ما يشعر الرجل أنه بين يدي رئيس الولايات المتحدة، فهذا الرئيس يقول له: «أتذكر إذ كنا ببلدة كيت وأنا أطوف بالبريد حين وقع لنا كيت وكيت؟» أو يقول: «أتذكر حين كنت أسحب الأبقار في الغابة ولقيتني ففعلنا كيت وكيت؟» أو يقول: «أتذكر حين كنت أترافع في كيت وكيت من القضايا، وحين كنت ترشدني وتعينني على أمري وتنصح لي؟»
وما كان أعظم الرئيس وأنبله حين كان الفقراء يستوقفونه في الطريق، فيقف ليستمع إليهم وليكلمهم كأنه أحدهم، فلا ترفع ولا كبرياء ولا غلظة.
ولن يستنكف الرئيس أن يطيل الحديث أحيانا عله يستطيع أن يكفكف بكلامه شيئا من دموعهم، ويخفف بالعطف عليهم بعض آلامهم. ولئن كانت له حيلة إلى إجابتهم إلى ما سألوا، فما هو عن ذلك بضنين.
ولقد كان ينكر عليه مسلكه هذا بعض موظفي البيت الأبيض، ولكنهم حين كانوا يزعمون أنه لا يليق بمن كان في مثل مركزه كان يغيب عنهم أنه لا مسلك غيره لمن كان له مثل قلبه، على أنهم لم يلبثوا أن أكبروا الرئيس وأعجبوا بخلاله، وأصبحوا لا يرون أي مأخذ عليه، وأصبح من المناظر المألوفة عندهم أن يدخل أحدهم ببطاقة للرئيس، فيراه ينهض بنفسه إلى خارج الحجرة يلقى مرسلها مرحبا ضاحكا، أو أن يروه يأتي بنفسه إلى الحاجب فينهره حين يسمعه يمنع طالبي الدخول عليه.
صفحه نامشخص