1048

البلاغة العربية

البلاغة العربية

ناشر

دار القلم،دمشق،الدار الشامية

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م

محل انتشار

بيروت

﴿قَالُواْ ياأبانآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذئب وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [الآية: ١٧] .
كان من الممكن أن يقولوا: وما أنْتَ بمصدِّقٍ لنا وإنْ كنّا صادِقين، فيصنَعُوا جناسًا.
لكنّ هذا الجناس يفوّتُ معنىً قَصَدُوا التعبير عنه، وهو أنَّ أباهم غَيْرُ مطمئن لمشاعرهم تُجاه أخيهم، إذْ هُو يعلمُ حسَدَهم له، فلو كانوا صادقين حقًّا وصَدَّقهم لما وصلَ تصديقه إلى درجةِ الإِيمان يُحْدِثُ في القلب الطَّمْأْنينة.
ومن الأمثلة الكاشفة أيضًا قول الله ﷿ في سورة (الصَّافات/ ٣٧ مصحف/ ٥٦ نزول) حكاية لمقالة "إلياس ﵇" لقومه بشأن إلهِهِم "بَعْل":
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين﴾ [الآية: ١٢٥] .
كان من الممكن أن يُسْتَخْدَم في هذا التعبير الجناس، بأن يُقالَ: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وتَدَعُونَ أَحْسَنَ الخالقين.
لكنّ استخدام هذا الجناس يُفَوّتُ معنىً مقصودًا، والدّلالة عليه أولى من الاحتفاء بمُحَسِّنٍ لفظي، وذلِكَ لأَن كلمة "تَدَعُون" تدلُّ على أنّ المتروكَ شيءٌ معتنىً به، بشهادة الاشتقاق، إذْ مادّة الكلمة ليست موضوعة لمطلَق التَّرْك، بل هو ترك مقرون بالاعتناء بحال المتروك، ومنه ترك الوديعة، ولذلك يُختار لها من هو مؤتَمَنٌ عليها، وتُودَعُ لتُسْتعادَ بعد حين.
والمخاطبون عُبَّادُ "بعل" غيْر مهتمّين ولا معتنين بالله ربِّ العالمين، أحْسَنِ الخالقين.
بخلاف عبارة: "تَذَرُونَ" فإنّ مادَّتَها موضوعة لمطلق الترك أو للترك مع إعراضٍ وإهمال وعدم اعتناءٍ بالمتروك مطلقًا.

2 / 501