وجاء حارس آخر وصب دلوا من الماء فوق الرجل الصارخ، لم يفه أحدهما بكلمة أخرى، بل تركوه يصدر الصراخ الذي تحول بعد قليل إلى أنين، وقد بلله الماء وخدره الغاز على الأرض خلف محطة الأوتوبيس، وبعد بضع دقائق جروه حتى أوقفوه على قدميه وأعادوه إلى القفص.
وأوضح تود ما ينبغي القيام به قائلا: «لا بد أن تغتسل لإزالة آثار الرش برذاذ الفلفل، وإلا أصبت بحروق وتقرحات.»
كانت الوجبة الجاهزة هذه الليلة من اللحم البقري، فأكل زيتون، وكانت رائحة رذاذ الفلفل لا تزال تملأ الهواء.
كانت الليلة السابقة هادئة إن قورنت بالنهار، ولكن هذه الليلة أتت بمزيد من سورات الغضب والمزيد من العنف، فعلى امتداد المساء أضيف مسجونون آخرون إلى الأقفاص، فأمسى في معسكر جراي هاوند ما يزيد على سبعين منهم، وكانوا غضابا، كان المكان يضيق بهم، وفورانهم يزداد، وازدادت احتجاجات السجناء على الحراس، وازدادت بذلك حالات الرش برذاذ الفلفل.
لم تكن الإجراءات تتغير قط؛ إذ ينقل السجين من قفصه ويجر إلى بقعة مجاورة، على مرأى كامل من باقي السجناء، ثم تقيد يداه وقدماه وبعدها، وركبة الحارس فوق ظهره أحيانا، يتعرض للرش في وجهه مباشرة، فإذا اعترض السجين ازداد ضغط ركبة الحارس في ظهره، ويستمر الرش حتى تنكسر روحه المعنوية، ثم يصب عليه الماء لإفاقته ويعاد إلى قفصه.
وكان زيتون قد شاهد الأفيال وهو صبي، عندما كان السيرك اللبناني يمر ببلدة جبلة، وكان مدربوها يستخدمون خطاطيف فولاذية طويلة لتوجيه هذه الحيوانات إلى الجهة المطلوبة، أو لحفزها أو عقابها، وكان الخطاف يشبه الحربة الطويلة أو العتلة ذات السنان التي تستخدم في نقل ألواح الثلج، وكان المدربون يمسكون بالأفيال من بين ثنيات جلدها ثم يدفعونها أو يلوونها، وخطر ببال زيتون الآن هؤلاء المدربون، وكيف تلقى هؤلاء الحراس أيضا تدريبا على التعامل مع نوع معين من الحيوانات، كانوا قد اعتادوا العمل مع نزلاء السجون ذات الحراسة المشددة، وهم نزلاء أشداء. وهكذا، كانت أدوات الحراس ذات قسوة أكبر من أن تلائم هؤلاء الرجال، والكثرة الغالبة فيهم من مرتكبي أهون الجرائم، مثل خرق منع التجول، أو دخول أملاك الغير دون استئذان، أو السكر علنا.
وامتد الليل طويلا، وكانت تقطعه نوبات مفاجئة من الصراخ والولولة، وكانت المشاجرات تنشب بين السجناء، والحراس يتواثبون، فيخرجون رجلا ويضعونه في قفص جديد، ولكن التشاجر كان يستمر؛ إذ كان السجناء الليلة متوترين ثائرين. •••
وتيمم زيتون وناصر كيفما استطاعا، بدلا من الوضوء، وصليا.
كان إحساس زيتون بالذنب الآن عميقا متزايدا، كانت كاثي على صواب، كان ينبغي ألا يمكث في المدينة، وكان عليه قطعا ألا يبقى فيها عندما كانت تطالبه في كل يوم من الأيام التي تلت العاصفة بالرحيل، وقال في نفسه: «أنا في غاية الأسف يا كاثي.» لم يكن يستطيع أن يتخيل المعاناة التي تتعرض لها كاثي الآن. كانت تردد كل يوم إن حادث سوء يمكن أن يقع على غير انتظار. وها هي ذي قد أثبتت صحة أقوالها، لم تكن الآن تعرف إن كان حيا أو ميتا، وجميع الدلائل تشير إلى الاحتمال الأخير.
كان يمكن أن يكون أي شيء في هذا السجن محتملا لو استطاع أن يتصل بها وحسب، لم يكن يريد أن يتخيل ما كانت تقوله للأطفال، وأي نوع من الأسئلة كانوا يسألونها.
Página desconocida