ولكن زيتون راوده أمل مفاجئ، فما دام طاقم التليفزيون إسباني، فإنه من المحتمل أن يذاع البرنامج فيراه أخوه في مالقة. لا شك في أن أحمد سوف يشاهد البرنامج - لم تكن تفوته مشاهدة شيء - وسوف يخبر كاثي، فتعلم كاثي مكان وجوده.
وفي الوقت نفسه، لم يكن زيتون قادرا على تحمل ما خطر بباله، أي أن تعرف أسرته في سوريا أنه محبوس على هذه الصورة. وعلى أي حال ومهما حدث فلن يسمح لأسرته إذا أطلق سراحه أو حين يطلق سراحه، أن يتاح لها أن تعرف أنه تعرض لهذه الحادثة. ليس هذا مكانه. ولم يكن «ذلك» الرجل. كان في قفص، يراه الناس فيفغرون أفواههم دهشة، ويعرض على الناس مثلما تعرض الحيوانات الغريبة على الزوار في حديقة الحيوان، مثل الكنغر والقرداح. كان العار أكبر من أي شيء عرفته أسرته يوما ما.
وفي أواخر ساعات العصر جاء الحراس بسجين جديد، ودخلوا به من أبواب محطة الأوتوبيسات . كان أبيض اللون، في نحو الخمسين من عمره، نحيلا متوسط الطول، ذا شعر أدكن وبشرة لوحتها الشمس، ولم يوله زيتون اهتماما يذكر حتى فتح الحراس باب قفصه ودفعوا بالرجل إلى داخله. وأصبح عدد السجناء الآن خمسة في القفص، دون أن يعرف أحد سر ذلك.
كان الرجل يلبس سروالا من الجينز وقميصا قصير الأكمام، وكان يبدو أنه استطاع الحفاظ على نظافته أثناء العاصفة وبعدها. كان ظاهر يديه ووجهه وملابسه جميعا خالية من أي تراب أو بقع، وكان موقفه كذلك لا يحمل أدنى ظل من ظلال ما كابدته المدينة كلها.
وقام بتعريف زيتون والثلاثة الآخرين بنفسه، مصافحا كلا منهم مصافحة من يلتقي بالمشاركين في أحد المؤتمرات. قال إن اسمه جيري. كان اجتماعيا، عامرا بالنشاط، ساخرا من محنته. كان الرجال الأربعة قد قضوا ليلة بلا نوم في قفص في الهواء الطلق، ولم يكن لديهم من الطاقة ما يتيح لهم الانخراط في أي محادثات، ولكن هذا السجين الجديد سد فجوة الصمت سدا!
كان يضحك على فكاهاته، وعلى الموقف الغريب الذي يجدون أنفسهم فيه، وقص عليهم، دون أن يطلب أحد منه ذلك، قصة القبض عليه، قال جيري إنه ظل في المدينة أثناء العاصفة، كدأبه في كل إعصار. كان يريد أن يحمي منزله، وبعد انقضاء كاترينا تبين أنه يحتاج إلى الطعام، ولم يكن يستطيع السير إلى أي حانوت قريب. كانت سيارته على مرتفع من الأرض ولم يصبها أي ضرر، ولكن وقودها كان قد نفد. وهكذا أحضر خرطوما من جراج منزله، وكان منهمكا في سحب بعض البنزين بالمماص من سيارة أحد جيرانه - وقال إنه كان يعتزم إخبار جاره وإن ذلك الجار سوف يتفهم الموقف - حين لمحته سفينة من سفن الحرس الوطني، وألقي القبض عليه بتهمة السرقة، وقال إن ذلك سوء تفاهم يتسم بحسن النية، ومن المحتمل تسويته بالسرعة اللازمة.
وجعل زيتون يتأمل الجوانب المحيرة لوجود جيري بينهم؛ إذ كان يبدو، أولا أنه السجين الوحيد في المجمع الذي يجد تسرية ما في وضعه الحالي؛ أي وجوده في معسكر جراي هاوند، وثانيا ما سبب وضعه في قفصهم؟ كان بالسجن خمسة عشر قفصا أخرى، ومن بينها أقفاص خالية كثيرة. لم يبد له وجود أي منطق في القبض على رجل بتهمة ضخ البنزين، وحبسه مع أربعة رجال يشتبه في أنهم يعملون معا على ارتكاب جرائم، تتراوح ما بين النهب والإرهاب.
وسأل جيري عن سبب الإتيان بهم إلى معسكر جراي هاوند، وقص عليه تود قصة الأربعة معا. وقال جيري شيئا يعبر به عن استيائه من المحنة التي يتعرض لها الأربعة. وكان الحديث حتى هذه اللحظة من نوع «الدردشة» العادية، ولكن زيتون أعرض عن الإصغاء عندما غير جيري «نغمته» واتجاه أسئلته.
بدأ بتوجيه جهوده إلى زيتون وناصر، فطرح أسئلة لا تنبع من عناصر المحادثات التي بدأها، فأدلى بملاحظات تحط من قدر الولايات المتحدة، وقال فكاهات عن جورج دبليو. بوش، وعن عجز الإدارة الأمريكية عن التصدي الناجع حتى الآن للكارثة، وأبدى تشككه في مقدرة العسكرية الأمريكية، وحكمة السياسة الخارجية للولايات المتحدة في أرجاء العالم، وفي الشرق الأوسط خصوصا.
واشتبك تود في جدال معه، ولكن زيتون وناصرا اختارا التزام الصمت، كان زيتون يرتاب ريبة عميقة فيما يحدث، ولا يزال يحاول أن يفهم كيف انتهى الأمر بهذا الرجل إلى هذا القفص تحديدا، وما عسى نواياه أن تكون. «كن لطيفا مع ماما!»
Página desconocida