وأيها الضمير! ما أحوج العاملين إليك كلما أشاحوا بأبصارهم عن التاريخ، ونظروا إلى المؤرخين بين جاهل ومعرض، ومأجور وسايح في بحر من الظلمات، لا يطلع عليه نهار!
عبد الله نديم
كثيرون وكثيرون، كثير من يدان بعد تشريف، وكثير من يعظم بعد هوان، وكثير من يخلق في الأذهان خلقا جديدا بعد الإدانة والتعظيم.
ومن هؤلاء الذين يخلقون خلقا جديدا في الأذهان رجل من أجدر الناس بالإنصاف بين أهل القلم، وهو الأديب الخطيب الصحفي الرائد عبد الله نديم.
لا تفهم من جملة الأخبار عنه إلا أنه داعية ثرثارة، أقرب إلى التهريج منه إلى الجد والرأي السديد.
ولا تكاد تعرفه بهذه الصورة التي لا تنصفه حتى يستوقفك بخبر صغير هنا أو كلمة عارضة هناك، فتبادر الصورة الشائهة قائلا: قفي أنظر إليك نظرة أخرى، فما أنت على التحقيق بعبد الله المظلوم.
ونظن أنه يبدو كذلك لمن شاهدوه وسمعوه ولا يبدو بها لمن يقرءون تاريخه، وحسب، بعد سنوات وسنوات.
رآه «بكتال» المستشرق الإنجليزي الذي يعرف الشرق معرفة أبنائه، ويعرف اللغة العربية معرفة مكنته من ترجمة القرآن الكريم، ويعرف الإسلام معرفة حملته على الإيمان به والتعرض من جراء ذلك لكثير من المتاعب والمنغصات، ويعرف الثورة العرابية تلك المعرفة التي تظهر للقارئ من قصته عن أبناء النيل.
ووصف «بكتال» شخصية عبد الله النديم في قصته عن الثورة العرابية، فوصف لنا شخصيته تكمن فيها النار الملتهبة وراء صفحة من القداسة والخشوع، ويكاد يقول إنه كان يحرض على الفتك كما كان يحرض على الثورة، وإن القلم واللسان بعض أسلحته - لا كلها - في ذلك الصراع العنيف.
كان عبد الله نديم يحرض على الزحف بالجيش إلى ميدان عابدين، ويكتب في صحيفته عن ذلك الموكب الرائع أنه «كان زفاف الحرية في مصر.»
Página desconocida