وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين ، وقال - تعالى:
قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله .
وقد نزل الله القرآن على قلب محمد بهذه الطريقة مقسما في ثلاث وعشرين سنة على حسب ما كان يعرض من أحداث؛ فأحيانا تنزل الآية أو الآيتان في الموضوع، وأحيانا تنزل السورة كلها مرة واحدة كما حكوا عن سورة الأنعام. وكانت الآيات إذا نزلت تكتب وتحفظ إما في الصدور أو في السطور، ولذلك استنكر بعض المشركين هذه الحالة، فقالوا:
لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة .
ويظهر أنه أبيح للقبائل المختلفة أن تتلوه بلهجاتها، ومن ذلك نشأت القراءات المختلفة؛ وقد أجاز الرسول ذلك، وأجازه الصحابة من بعده.
والحق أن المسلمين الأولين انقسموا إلى قسمين: منهم من كان يرى الرأي الأول، ومنهم من كان يرى الرأي الثاني. وخير مثال على ذلك: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر، فقد كان عمر جريئا في الاجتهاد، جريئا في إعمال العقل، حتى أنه كان يفهم النص ويفهم علته؛ فإذا انعدمت العلة قال بانعدام المعلول؛ كما فعل في آية «المؤلفة قلوبهم». وكان ابنه عبد الله يمثل المحافظين. وربما أيد الرأي الأول أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أجاز عمر في اجتهاده، وأجاز معاذ بن جبل في اجتهاده أيضا عندما لم يكن نص. وربما أيد هذا الرأي أيضا ما ورد في القرآن الكريم من آية النسخ كقوله - تعالى:
ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ، ففي الثلاث والعشرين سنة تغيرت الظروف التي استدعت بعض الأحكام، ثم تغيرت الظروف فتغيرت بعض الأحكام. بل ربما كانت المسألة تحتاج إلى أمر، وتتغير الظروف فتحتاج إلى نهي، كالذي قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها»، وربما كان هذا هو السبب في أن بعض الآيات فيها حكم يخالف حكم الآية الأخرى، وقد اضطر المفسرون إلى النص على أن بعض الآيات منسوخ وبعضها ناسخ، فإذا حدث هذا في ظرف ثلاث وعشرين سنة في حياة النبي
Página desconocida