وما كادت تنطق بكلمتها حتى عاد إليها جفولها وندمت عليها. أتعيد الكذبة في مثل هذا الهدوء؟ أتسأله عن وداع أبيه؟ وفتحت عينيها وأذنيها تنتظر الجواب في لهفة.
وقال سيف في هدوء كذلك: أبي؟ أسألك العفو يا أماه، فقد خرجت منذ يومين إلى وادي ضهر.
وغمرها شعور بالنجاة؛ لأنها لم تتوقع جوابه، وقالت كأنها في حلم: وادي ضهر؟
وأرادت أن تبعد عن موطن الخطر، فصرفت الحديث إلى ذلك الوادي قائلة: كانت ليالي قمراء.
فقال سيف: كان القمر في أزهى مطالعه حقا، لم أر الوادي في مثل منظره تحت أشعته الرفيقة، وكان يسبح بين السحب البيضاء كأنه ملاك يبحث في الآفاق عن الأشقياء ليبعث إليهم رحمته. كان يرسل أنواره إلى أركان الشطوط، كأنه يبحث فيها عن وحيد يؤانسه أو حزين يواسيه.
وأحست الأم أنه يعود إلى الموطن الذي تتهرب منه، وقالت في نفسها: «مسكين ولدي! إنه يهيم في الخيال كما أهيم، أهي جناية أخرى جنيتها عليه إذ أورثته لعنتي؟»
ثم قالت له عاطفة: أكنت وحدك؟
فقال في صوت خافت: ومن يكون رفيقي؟
وكان في نغمته شيء زادها قلقا.
فقالت وهي تتكلف المرح: ما أبدع وادي ضهر في الليالي القمراء! لقد طالما خرجت إليه في صباي في مثل هذه الليالي، وكان البدر كما وصفت، يخلع على جمال الوادي ما يشبه أن يكون سحرا.
Página desconocida