فصاح قيس: كهانة أخرى؟ متى تمطر السماء يا عدوة؟
فقال عدوة: متى سمعت رعدها ورأيت برقها.
وظهر أبرهة عند ذلك من باب الإيوان، فقال حناطة يخاطب ابن خزاعي: أسرع أيها الملك إلى زميلك.
وعلت ضحكة أخرى، فقال ابن خزاعي في ضجر: اسكتوا أيها الحمقى؟
وأقبل أبرهة في حلقة حراسه، وسارت من ورائه حاشيته وأمراء جنده، وكان وجهه يفيض بشرا عندما وقع بصره على الجموع الزاخرة، وكان يسايره شيخ من قواد الحبشة يميل عليه أبرهة بين حين وحين كأنه يسر إليه حديثا، وهو بين حين وآخر يضحك ضحكته المزغردة التي تفيض سخرية. وخشعت ضجة الأصوات وثبت كل جمع في مكانه. ولما اقترب الملك من حلقة عدوة التفت إليه قائلا: كيف أصبحت يا عدوة؟
فقال عدوة: كما كنت دائما يا مولاي، وليا مخلصا.
فقال أبرهة: هذا عهدي بك دائما. وما لهؤلاء الشبان يخفون ابتساماتهم؟ أكانوا يعابثونك؟ قل كلمة وسأوقع بهم العقوبة جميعا.
ونظر إلى حناطة قائلا: وأنت يا حناطة، كم بلغ عدد نسائك؟ ثم رنت ضحكته وسار بغير أن ينظر وراءه. والتفت إلى الشيخ الحبشي الذي كان يسايره وقال له في صوت هامس: أتظن بي البله يا بن مقصود؟ تحسبني كما يقول أصحابك الذين تحلو لهم الثرثرة؟ أتحسب أني لا أعرف هؤلاء فردا فردا وأعلم ما تنطوي عليه نفوسهم؟ قيس بن خزاعي؟ ذلك الشاب المفتون؟ أتحسب حقا أنني أجعله ملك الحجاز؟
فقال الأسود بن مقصود: إني أفضي إليك يا مولاي بما يتردد على الألسنة.
هؤلاء الذين تأمن إليهم من العرب لا يريدون إلا شيئا واحدا.
Página desconocida