Wisdom
الحكمة
Editorial
الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات
الحكمة
الشيخ ناصر بن سليمان العمر
إلى متى عدم الحكمة؟
عندما ألقيت محاضرة (الحكمة) في الرياض، كان أول سؤال يرد إلي بعد الانتهاء من المحاضرة: (إلى متى الحكمة)؟ فازدادت قناعتي أن هذه الصحوة تحتاج إلى جهود مضاعفة لتوجيهها إلى المنهج الشرعي، منهج أهل السنة والجماعة، قبل أن تزل العقول والأقدام.
وإذا كانت بذلت جهود مباركة -ولا تزال تبذل- من أجل عودة الناس إلى دينهم وعقيدتهم، وحيث حققت هذه الجهود -بعد توفيق الله وبتوفيق منه ﷾ تلك الآثار الإيجابية التي نراها من عودة الأمة إلى الله جماعات وآحادا، رجالًا وركبانًا، فإن واجب العلماء وطلاب العلم والدعاة أن يوجهوا جل اهتمامهم لتربية هذه الجموع، ويبينوا لهم الطريق الصحيح، لئلا تغرق السفينة بمن فيها، فإن العبرة ليست (بالكم) ! ولكن (بالكيف) !!.
ولذا رأيت أن من الحكمة طرح موضوع الحكمة بحكمة، وأسأل الله التوفيق والسداد وحسن القصد والمآل. المؤلف
1 / 1
تقديم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢) .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠، ٧١) .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
1 / 2
قال الله -جل وعلا-: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ٢٦٩) . وقال -سبحانه-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) .
فلما للحكمة من مكانة عظيمة من الكتاب والسنة، ولحاجة الأمة حاضرًا ومستقبلًا إليها في كل شؤونها، ولخفاء معنى الحكمة على كثير من المسلمين، فقد قمت ببحث هذا الموضوع في ضوء القرآن الكريم، مسترشدًا بآياته، مستشهدًا بقصصه، متأملًا لأوامره ونواهيه، مع النهل من معين السنة في فهم معنى الحكمة؛ لأن السنة هي المصدر الثاني من مصادر تفسير القرآن الكريم وفهمه.
كما أفدت من كلام السلف من الصحابة ومن بعدهم، توضيحًا لمعاني الحكمة ومدلولاتها، وقد بذلت جهدي، وحرصت على ضرب بعض الأمثلة من الواقع المعاصر تقريبًا للفهم، وتحقيقًا للقصد.
وقد عشت مع هذا الموضوع مدة طويلة متأملًا وباحثًا ومحققًا، ولم أقدم على تدوينه ونشره إلا بعد قناعتي بأنه قد استوى على سوقه، مع حاجة الناس إليه.
1 / 3
أسأل الله أن يحسن لنا المقاصد والنيات، وأن يوفقنا للحكمة في أقوالنا وأفعالنا، ونياتنا، إنه نعم المولى ونعم النصير.
1 / 4
أهمية الموضوع
تظهر أهمية موضوع الحكمة من خلال التأمل في العناصر التالية:
١- أن لفظ "الحكيم" ورد في القرآن الكريم عشرات المرات (١) .
٢- أن "الحكيم" اسم من أسماء الله -تعالى-.
٣- أن الله قد أمر بالحكمة، فقال -سبحانه-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) .
٤- أن الله أثنى على صاحب الحكمة، فقال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩)، وامتن على لقمان حيث آتاه الحكمة، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ (لقمان: من الآية ١٢) .
٥- أن الله نسب الحكمة إلى نفسه، وجعل إيتاءها من عنده، فقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: من الآية ٢٦٩)، وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (لقمان: من الآية ١٢) . وقال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (يوسف: من الآية ٢٢)، وقال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (البقرة: من الآية ٢٥١) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
(١) ورد بلفظ «حكيم» (٨١) مرة، و«حكيما» (١٦) مرة.
1 / 5
٦- أن الحكمة، هي: الفقه في دين الله، كما فسرها كثير من السلف، والرسول ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (١) .
٧- أن الحكمة ضالة المؤمن، متى وجدها فهو أحق بها.
٨- أن الرسول ﷺ دعا لابن عمه، عبد الله بن عباس ﵄ فقال: «اللهم علمه الحكمة» (٢) .
٩- أن مدار نجاح الدعوات على الحكمة.
١٠- الفهم الخاطئ لمعنى الحكمة من قبل كثير من الناس.
١١- مداهنة الظالمين، وضياع الحق، والسكوت على الباطل في كثير من بلاد المسلمين باسم الحكمة.
١٢- أن الحكمة ظلمت من قبل الخاصة والعامة، فالخاصة وهم بعض صغار طلاب العلم، فمنهم من يدعيها لنفسه، وينسب أعماله إلى الحكمة، وقليل ما هم.
والعامة يصفون كل من أمرهم بخلاف ما هم عليه من هوى أو شهوة، وأنكر بدعهم وضلالاتهم، يسمونه بعدم الحكمة، كالتطرف والعجلة، ونحو ذلك مما يضاد الحكمة.
١٣- أن الصحوة الإسلامية في يقظتها المعاصرة أحوج ما تكون إلى الحكماء.
(١) البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) عن معاوية ﵁.
(٢) البخاري (٣٧٥٦) .
1 / 6
١٤- أن بعض المواقف والأعمال التي قامت بها بعض الجماعات الإسلامية، وبعض الدعاة الغيورين كانت تفتقر إلى الحكمة، كالدخول في معارك عسكرية مع الأنظمة، حتى وإن كانت كافرة (١) وقد جرت مثل هذه الأعمال على أمتنا عمومًا، وعلى الدعاة خصوصًا الويلات.
ومثل ذلك أسلوب الاغتيالات، أو إحراق أماكن الفساد في بلد لا يملك فيه المسلمون السلطة.
وكل ذلك بسبب عدم الحكمة الناشئ عن الجهل في فهم النصوص ودلالاتها.
ومن خلال ما سبق تتضح أهمية الحكمة، بل أهمية الحديث عنها في ضوء القرآن الكريم.
(١) وهذا لا يعني إبطال الجهاد، فالجهاد ماض إلى يوم القيامة ولكن الجهاد له شروطه وأسبابه وأحكامه.
1 / 7
١- المعنى اللغوي للحكمة
قال ابن فارس: الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو: المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة؛ لأنها تمنعها.
والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، والمحكم: المجرب المنسوب إلى الحكمة، قال طرفة:
ليت المحكم والموعوظ صوتكما ... تحت التراب إذا ما الباطل انكشفا
أراد بالمحكم الشيخ المنسوب إلى الحكمة (١) .
وقال ابن منظور:
قيل: الحكيم:
ذو الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم (٢) .
وقال الجوهري:
الحكم: الحكمة من العلم.
وصاحب الحكمة: المتقن للأمور.
وقد حكم- بضم الكاف، أي: صار حكيما، قال النمر بن تولب:
وأبغض بغيضك بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما
قال الأصمعي: أي: إذا حاولت أن تكون حكيما، والمحكم -بفتح الكاف- هو الشيخ المجرب، المنسوب إلى الحكمة (٣) .
وقال في (تاج العروس):
والحكمة -بالكسر- العدل في القضاء كالحكم، والحكمة العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، والعمل بمقتضاها، ولهذا انقسمت إلى علمية وعملية، ويقال: هي هيئة القوة العقلية العلمية.
وقيل: الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعمل.
(١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة (حكم) جـ ٢ / ٩١.
(٢) لسان العرب مادة (حكم) ١٥ / ٣٠.
(٣) الصحاح مادة (حكم) ٥ / ١٩٠١.
1 / 8
فالحكمة من الله: معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفته، وفعل الخيرات.
وأحكمه إحكاما: أتقنه، ومنه قولهم للرجل إذا كان حكيما: قد أحكمته التجارب.
وأحكمه: منعه من الفساد (١) .
وفي (المصباح المنير): الحكمة وزان قصبة للدابة، سميت بذلك؛ لأنها تذللها لراكبها حتى تمنعها الجماح ونحوه.
ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال (٢) .
هذه أهم المعاني اللغوية التي وردت في الحكمة وأصلها.
وكلها تدور حول المنع؛ لأنها تمنع صاحبها من الوقوع فيما يذم فيه، أو ما قد يندم عليه، وتمنعه من اختيار المفضول دون الفاضل، أو المهم قبل الأهم.
(١) تاج العروس مادة (حكم) ٨ / ٣٥٣.
(٢) المصباح المنير ١ / ٢٠٠.
1 / 9
الحكمة في القرآن الكريم
ورد لفظ الحكمة في القرآن الكريم عشرين مرة، في تسع عشرة آية، في اثنتي عشرة سورة، وقد ورد لعدة معان، وتفصيل ذلك كما يلي: اختلف المفسرون في تفسير الآيات الواردة بلفظ الحكمة، فنجد مقاتل -كما ذكر الرازي - يقول: تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: مواعظ القرآن، قال -تعالى- في سورة البقرة، الآية: ٢٣١: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٣١) ومثلها في آل عمران.
وثانيهما: الحكمة بمعنى: الفهم والعلم، ومنه قوله - تعالى -: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: من الآية ١٢)، وفي سورة لقمان (الآية: ١٢) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (لقمان: من الآية ١٢) يعني: الفهم والعلم، وفي (الأنعام الآية: ٨٩): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ (الأنعام: من الآية ٨٩) .
1 / 10