Unnamed Book
دروس للشيخ صالح بن حميد
Regiones
•Arabia Saudita
Imperios y Eras
Al Saúd (Najd, Hiyaz, Arabia Saudita moderna), 1148- / 1735-
وسطية الإسلام في الاستمتاع بالزينة
وقضية الاستمتاع بالزينة، وهي وسطية ظاهرة في الإسلام، فقد أباح الله ﷿ لنا الزينة، بل امتن علينا بإباحة الزينة: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٥ - ٨].
إذًا هذا مسلك في الإسلام وسط، لَمْ ينكِر، ولم يمنعنا مما وضعه فينا من طبع حب زينة، وحب استمتاع وتمتع، فلم يجعلنا كالذين شددوا على أنفسهم كما قال النبي ﷺ: ﴿فهؤلاء بقاياهم في الصوامع﴾ أو كما في بعض العبادات الوثنية كما عند بعض الهندوكية والروحانيات المغرقة، لا هذه، ولا هذه.
فالزينة مباح لنا أن نستمتع بها، وتأملوا قول الله ﷿: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل:٥ - ٦] الثلاث الأولى أساسيات في وظيفة الأنعام ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل:٥ - ٦] فجعل هذا مما امتن الله ﷿ به علينا.
ولو تتأملون المعنى -يا إخواني- أعني إدراك الجمال في الأنعام، والأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم، وقد يكون غيرها من الحيوانات حسب الأقاليم، وليس كل أحد يدرك جمال الأنعام، إلا بعض الهواة، فأنت ربما لا تشاهد غنمًا ولا تفكر فيها، ولا تشاهد بقرًا؛ لكن بعض الناس مفتون بالغنم، ومفتون حتى بالإبل، فبعض الناس يشتري الإبل بمئات الآلاف، إذًا لا شك أن الجمال في الإبل، أو في الأنعام فإن كان بعضنا لا يدركه، لكن هناك من يدركه، وأظن الشباب الآن يدركون جمال السيارات، وموديلاتها، وألوانها.
فعلى كل حال المقصود: أن هذا لا حرج فيه في حدود ضوابط، فاستمتاعك بالجمال، بل حتى اقتناؤك للجمال كما قال النبي ﷺ في الخيل: ﴿هي لرجلٍ سِتر﴾ فالرجل الذي يعطي حقها ويستمتع بها، ليس عليه شيء، ما دام أن يعطي حقها، فشعورك وإحساسك بالجمال في هذه الأشياء، أو في غيرها مما امتن الله ﷿ به جائز حتى في الحمير ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨] أي: تتخذها لغير الركوب، تتخذها للزينة، فالخيل والبغال والحمير ربما لا تتخذها للركوب، وتتخذها للزينة، فالآية لا تمنع من ذلك ما دام في حدود وضوابط الشرع.
وإن شئتم آية أخرى فاقرءوا قول الله ﷿: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠] ما معنى: (ذَاتَ بَهْجَةٍ)؟ معناه: أننا من حقنا أن نبتهج بألوان الزهور، وروائحها، وأشكالها؛ لأن الله ما قال: (ذَاتَ بَهْجَةٍ) إلا من باب الامتنان، والله ﷾ لا يمتن علينا إلا بمباح.
إذًا هذا له حدوده وضوابطه، لكن أن تستمتع، وأن تجد لذة، وأن تمارس لذتك المباحة في الاستمتاع كالاستمتاع مثلًا بالشم فلا بأس، فإذا كان النبي ﷺ يقول: ﴿حُبِّب إليَّ من دنياكم الطيب﴾ فالطيب متعة وكمالي، وليس بضروري، بل الطيب من الكماليات، وقد كان النبي ﷺ يهتم بنفسه وبزينته وجماله في حدود ما يَجِد، وكان يلبس للضيوف ﵊، ويوم الجمعة له حُلَّة، والعيدان لهما حُلَّة، والضيوف لهم حُلَّة، والحُلَّة هي: البدلة المتكاملة، وهي: الطقم الكامل بكامل اللبس، إزارًا ورداءًَ، أو قميصًا وسراويل، على حسب لباس كل بلد، فتسمى حلة، بمعنى: لباس كامل، فالمقصود أن دينَنا وسط: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف:٣١ - ٣٢] لكن لا إسراف، ولا غلو، ولا تصرف على الأساسيات، بل لها ضوابطها.
37 / 19