290

مقتطفات من السيرة

مقتطفات من السيرة

Regiones
Egipto
المخلصون المتابعون وأسرار الإخلاص
الناس أقسام أربعة: فقسم فيه إخلاص ومتابعة، وقسم لا إخلاص فيه ولا متابعة، وقسم فيه إخلاص من غير متابعة، وقسم فيه متابعة ولكن لغير الله ﷿.
والإخلاص فيه أسرار ثلاثة: الأول: أنه لا يطلع عليه ملك مقرب فيكتبه؛ لأن الإخلاص كما قال الله فيه: (إنما الإخلاص سر من أسراري أستودعه قلب من أحب وأرضى عن عبادي)، فالذي يحبه الله ويرضى عنه يضع فيه الإخلاص.
وقد روي أن سيدنا داود ﵇ أراد أن يشكر ربنا بعد أن أنعم عليه بنعم عظيمة، فقال: (يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك)، فبحث الملائكة عن ثوابها، فلم يجدوا لها ثوابًا عندهم، فقالوا: يا رب! كم نكتب ثوابها؟ فقال: يا ملائكتي! اكتبوها لداود كما هي وأنا أجازيه عليها يوم القيامة.
فالإخلاص لا يكتبه ملك مقرب؛ لأنه سر بين العبد وربه.
الثاني: أن الشيطان لا يطلع على قلب العبد المخلص فيفسد الإخلاص فيه؛ لأن الشيطان لا يقدر على المخلص، قال تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠].
ولذلك لما كان سيدنا يوسف ﵇ من المخلصين لم يستطع الشيطان إغواءه فقد قال تعالى عنه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤].
فسيدنا يوسف من المخلصين، فلا يستطيع إبليس أن يغويه.
الثالث: أن المخلص لا يفكر بإخلاصه، فالمخلص لا يعرف أنه مخلص.
فقد بعث سعد بن أبي وقاص رسولًا إلى عمر، وقال: اذهب وبشر أمير المؤمنين بأننا انتصرنا في القادسية.
فذهب الرجل فوصل المدينة في نصف الليل، فقال: عما قريب يطلع الفجر، وحين يدخل عمر ليصلي بالناس سأقول له، قال: فدخلت فصليت ركعتين في الروضة الشريفة فرأيت رجلًا ساجدًا في المحراب يبكي بكاء مرًا، ويقول: يا رب! لائذ ببابك، عائذ بجنابك، لا تطردني من رحابك.
فقال: إن هذا مسرف على نفسه، إنه رجل عمل سيئات، فسأنتظره حتى ينتهي لأحدثه بأحاديث الرحمة، فلعله قانط أو يائس، فبعد أن سلم واقترب عرف أنه أمير المؤمنين عمر، فقال له: يا أمير المؤمنين! ماذا تصنع هنا؟! فقال: يا أخا الإسلام! إن نمت الليل كله أضعت نفسي، وإن نمت النهار كله أضعت رعيتي.
وقد يسأل أحدنا نفسه سؤالًا فيقول: هل يعقل أن سيدنا عمر يخاف هذا الخوف كله، فيقول: يا ليت أم عمر لم تلد عمر، يا ليتني كنت نسيًا منسيًا؟! إنك لو سألت أي سارق في الدولة عن مآله بعد الموت لقال: الجنة، وكأن معه صك الغفران.
إن الصحابة الكبار كانوا على وجل، حتى قال الحبيب: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).

16 / 6