Tuhfat Asmac
تحفة الأسماع والأبصار
وأما الشواهد الظاهرة القريبة من هذا الجنس إن الكفار لو وطؤوا أطراف دار الإسلام يجب على كافة الرعايا أن يطيروا إليهم بأجنحة الجد، فإذا دعاهم الإمام إلى ذلك، وجب عليهم الإجابة وفيه أتعاب النفوس، وإنفاق الأموال، وليس المقصود من ذلك إلا لحماية الدين ورعاية مصلحة المسلمين فهذا في هذه الصورة قطعي، وإن نزلنا في التصوير وقدرنا ما إذا لم يهجم الكفار وكنا نحذر هجومهم ونتوقع ابتغايهم واستشعر الإمام من شوكة الإسلام وهنا وضعفا وتفرقا، فالواجب على كافة الخلق إمدادهم[158/أ] كيف لو لم نبث جنود الإسلام في بلاد الإسلام لانبثوا في ديارنا على قرب، ولطالما قيل: (الروم إذا لم تغز غزت) ومهما سقطت شوكة الإسلام كان ذلك متوقعا على قريب من الأيام، كيف والجهاد في كل سنة واجب على كافة الخلق، وإنما سقوطه باستغلال أقوام من المرتزقة به، فكيف يتمارى في وجوب بذل المال في مثل ذلك وإن نزلنا في التصوير وقدرنا ضربا للتمثيل انبساط ظل الإسلام على أقاص الغرب والشرق، وأطباق الدين أطراف الأرض ذات الطول والعرض، حتى لم يبق من الكفار، نافخ نار، ولا طالب ثأر، ولا يؤمن هيجان الفتن بين المسلمين، وثوران المحن في بزغات المارقين، وهذا الداء العضال، وفيه تهلك النفوس والأموال، ولا كافي لأمثالها إلا سطوة الإمام ولا كاف عن فسادها إلا قهر الوالي المستظهر بجند الإسلام، ولو أنفق شيء من ذلك لافتقر أهل الدنيا إلى نصب حراس، ونقص أكياس على آخرهم، ولا يعنيهم ذلك، فهذه مصلحة ملازمة قطعية لا يتمارى منصف في وجوب اتباعها فإن قيل في الاستقراض عنية عن المصادرة واستهلاك الأموال، وكان رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) إذا جهز جيشا وافتقر إلى مال استقرض قلنا: نقل الاستقراض عن رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) ونقل أيضا أنه كان يشير إلى مياسير أصحابه بأن يخرجوا شيئا من فضلات أموالهم إلا أنهم كانوا يبادرون عند إيمائه إلى الامتثال مبادرة العطشان إلى الماء الزلال، ولسنا ننكر جواز الاستقراض، ووجوب الاقتصار عليه إذا دعت المصلحة إليه ولكن إذا كان الإمام لا يرتجي انصباب مال إلى بيت المال يزيد على مؤنة العسكر ونفقات المرتزقة في الاستقبال فعلى ما هذا الاتكال في الاستقراض مع خلو اليد في الحال وانقطاع الأمل في المال.
Página 647