Tuhfat Asmac
تحفة الأسماع والأبصار
والثاني: وهو ما يدعون ويأمرون به ويأخذونه من النفقة في سبيل الله التي أمر الله في كتابه على لسان رسوله، وجرت عليه عادة الأئمة الصالحين، ودعاة الحق وهداة المصلحين الذين هم[112/أ] نصحاء الدين، وعمود المسلمين، وأئمة المتقين، كان المنكر استكثر من الدين وأهله المجاهدين على حفظه، المثابرين على صيانة الإسلام وبيضته، وأخذ يسعى في إبطال هذا الباقي ونحو هذه اللمظة اليسيرة في هذا القطر اليماني الذي لا يقوم أودها ويستقيم عوجها، ويثبت مائدها إلا هذا الجند القايم عليه، والحرب الذي لا يزال حريصا بالدعاء إليه، فحاول مما دسه من هذه المكيدة، وأظهره من هذه المقالة التي هي عنا بعيدة أي بعيدة، يريد بها إبطال الجهاد بالمال الذي أنزله الله في كتابه وأوجبه على لسان رسوله، وجرت عليه سيرة الأئمة الذين نرجو إن شاء الله أن نكون أفضل من اتبعها وأرشد من دعى إليها بوجوه واضحة، وأدلة قاطعة وبراهين لا يحرفها إلا قاسي القلب، وناكث العهد كما حكى ذلك أصدق الحديث وأفضله، وأحسن المقال وأكمله، وهو كتاب الله الذي لا ينطق إلا بالصواب، ومن حكم به فقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب، والنفقة في سبيل الله أصل الجهاد، وأعظم الأوتاد. ولم يذكر الجهاد بالنفقة إلا مقدما على الجهاد بالنفس غالبا، وذكر الحظ عليها منفردة في غير موضع ترغيبا وترهيبا، والجهاد بالمال والنفس أصل الدين وسنامه، ورأس كل خير وإمامه، فلا تقوم الأركان ولا غيرها من خصال الإيمان إلا بما وزع الله به من أمر السلطان، ففي الحديث: ((إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن )) ولا سلطان إلا بطايفة على الحق ظاهرين، لا تشغلها المكاسب، تعتذر عن الإسستنفار، وتتبنى من المطالب، إما لقوة دينها وقيامها بمؤنة نفسها أو تحمل أولي الأمر على ذلك مع تحمل كفايتها أو تجمعها بين الصنفين، وإنصافها بالمعينين، وخير القرون في هذه الأمة وأبرها أصحاب رسول الله الذين هم رأس الأمة وصدرها، لم يستغنوا عن الإنفاق، ولم يكتفوا عن الإيزاع والارتفاق، فلم يقم أمر إلا بطائفة مرتفعة ومتفقة تجب على الإمام والمأموم، ومبادرة النبي إلى ذلك في السراء والضراء أمر معلوم من الدين لا يتمارى فيه ولا يخفى.
قال في (الكشاف) في تفسير قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء} وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس، وأدله على الإخلاص؛ ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو، ومواساة فقراء المسلمين، ولهذا بايع النبي الأنصار في بيعة العقبة الثانية على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر[112/ب] بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إلى آخر ما ذكر في الهدي النبوي.
Página 477