قال: فغضب الرشيد حتى انتفخت أوداجه، وانقطعت ازراره، وأخذ داوة بين يديه فضرب بها رأس محمد فشجه، فذكر القصة.
ثم قال آخر: ذلك دفعه إلى الفضل بن يحيى، ولم يقل أن أبا البختري قال: فيه حيلة، ولكن لما رأى أبو البختري هارون قد غضب، قال: ردوا علي الأمان بعدما كان قد نظر فيه وصححه، فردوه عليه فوضع يده على حرف، فقال: هذا آخره ينقض أوله اقتله ودمه في عنقي، فقال له يحيى: يا مقلوط، والله لقد علمت قريش أنه مالك أب يعرف، فلو استحييت من شيء لاستحييت من ادعائك إلى من ليس بينك وبينه رحم مع أن من تدعى إليه عبد لبني زمعة، ثم قال: يا هارون اتق الله فإنه لا ينفعك هذا ولا ضرباؤه يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار، فقال هارون: انظروا لا يستحل أن يقول: يا أمير المؤمنين، هذا ينتقض ما أعطيته من الأمان، قال يحيى: ما جزعك من اسم سماكه أبواك، قد كان يقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا محمد، فما ينكره، وهو رسول رب العالمين.
قال: فدفعه إلى يحيى بن خالد بن برمك، وخرجنا من عنده، فبكى محمد بن الحسن، فقلنا له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف العقوبة من الله، قلنا: أليس قد أعذرت حتى خفنا عليك أن يأمر بقتلك؟ قال: كان يجب علي أن أرد على أبي البحتري ما ادعى من ذلك الحرف ينقضه، وقد كذب في ذلك، قالوا: لو تكلمت لأمر بقتلك، فلم يزل محمد في قلبه شيء من ذلك حتى مات.
قال المكي: فأخبرني الثقة أن جعفر بن يحيى حبس يحيى بن عبدالله مدة عنده حتى سأله هارون عنه، فأخبره بسلامته، فقال هارون: ما أطول حياته، فعلم جعفر أنه يريد أن يقتله، فأخرجه ليقتله، فجعل جعفر يقول: وا أسفاه كيف ابتليت قتل يحيى من بين الخلق، فقال له يحيى بن عبدالله: اسمع مني أصلحك الله شيئا يكون لك فيه السلامة في الدنيا والآخرة، أعطيك من العهود والمواثيق ما تسكن إليه نفسك أنك تركتني خرجت حتى أدخل بلاد العجم والروم.
Página 142