فأجاب الحكيم دون أن يدخل وقال: «وهب أني ما أتيتك سيدا؟»
فقال الفارس: «للطبيب أن يدخل إلى سرير مريضه بغير قيد.»
وقال الحكيم: «وما أتيتك الآن طبيبا؛ ولذا فإني ما زلت أطلب إليك الإذن قبل أن أدخل تحت خباء خيمتك.»
فأجاب السير كنث، وقال: «بيت الصديق مفتوح على مصراعيه لمن جاء صديقا، ولقد أريتني حتى الآن أنك لي صديق.»
فقال الحكيم الشرقي بأسلوب الكناية المألوفة بين بني قومه: «وهب أني ما أتيتك صديقا؟»
ولما نفد صبر الفارس الاسكتلندي من هذه المراوغة قال: «تعال كما شئت، وكن من شئت؛ فإنك تعرف أني لا أستطيع، بل ولا أحب، أن أمنعك من الدخول.»
فقال الحكيم: «فإني آتيك إذن بصفتي عدوك القديم، ولكني الآن عدل كريم.»
ثم دخل وهو يتكلم، ولما وقف إلى جوار سرير السير كنث بقي في صوته «أدنبك» الطبيب العربي، ولكن هيئته زرية وملامحه كلها كانت تدل على أنه «الضريم» الكردستاني المعروف باسم «شيركوه»، فحدق فيه السير كنث وكأنه ينتظر من هذا الشبح أن يختفي كما تختفي الصورة التي يخلقها الخيال.
فقال «الضريم»: «هل يدهشك - وأنت مقاتل معروف - أن ترى جنديا عرف شيئا من فن الشفاء؟ اعلم أيها النصراني أن الفارس الكامل ينبغي له أن يعرف كيف يضمد جراح جواده كما يعرف كيف يمتطي صهوته، وأن يعرف كيف يرهف سيفه في كور الحداد كما يعرف كيف يستخدمه في ساحة الوغى، وأن يعرف كيف يجلو السلاح كما يعرف كيف يمتشقه؛ وفوق كل ذلك يجب أن يعرف كيف يشفي الجراح كما يعرف كيف يثخنها.»
وكان الفارس المسيحي يغلق عينيه بين الآونة والأخرى والعربي يتكلم، ثم أغمض جفنيه، وتمثل في مخيلته صورة الحكيم في ثيابه الطويلة الفضفاضة السود، وعمامته التترية المرتفعة، ومحياه الثابت الرصين. وما إن فتح عينيه حتى عرف من العمامة الرشيقة المرصعة بالجواهر، والقميص المصنوع من حلق الحديد المجدول بالفضة، الذي كان يتألق ويلمع كلما ترنح الرجل بجسمه، ومن الطلعة التي لم يعد بها أثر من وقار العلم، ومن الوجه المشرق الذي لم يعد يظلله الشعر الكث (ولم يبق منه الآن سوى لحية مشذبة جميلة) عرف أن الماثل أمامه هو الجندي لا الحكيم.
Página desconocida