قال الموفق: العسل حار يابس في آخر الثانية وه جلاء مفتح إذا استعمل أكلا وطلاء، وينقي البشرة وينعمها ويحفظ قوى المعاجين وغيرها وكل ما يودع فيه، ولذلك يسمى الحافظ الأمين، وإن اكتحل به جلا البصر وإن استن به: يبض الأسنان وصقلها. وحفظ صحتها وصحة اللثة، وإذا تغرغر نفع أورام الحلق ومن الحناق، ويوافق السعال البلغمي ويدر البول ويلين البطن ويفتح أفواه العروق ويدر الطمث، ويثريء من أكل الفطر القتال ومن شرب الأفيون ومن لسعة العقرب ومن نهش الهوام ذوات السم ومن عضة الكلب الكلب، وهو غذاء مع الأغذية وشراب في الأشربة ودواء وحده ومع الأدوية وحلوى وفاكهة. لم يخلق لنا شيء فيه معاينة أفضل منه ولا مثله، لا مما نصفه ولا مما هي لنا، وهو مع هذه الفضائل الجمة مأمون الغائلة قليل المضار وأنفع ما كان للمشايخ ومضرته للصفراويين، ودفع مضرته بالخل أو نحوه فيعود حينئذ نافعا لهم، وهو يدخل في أغذية الشيوخ ومن أشبههم، وهو في أكثر الأحوال والأمراض أنفع من السكر فإنه يفتح ويجلو ويدر ويحلل، وهذه الأفعال في السكر عليه بحالتين فقط، إنه أقل حرارة وحده وحلاوة، وإن فيه أرضية ليست في العسل. ولذلك مهما طبخ السكر ظهر له رغوة ورسخ، وأما العسل فتذهب رغوته بطبخة واحدة ولكثرة أرضية السكر وقلة حدته صار ملائما للمعدة والتغذية، وأنفع لأرباب الأمزجة الملتهبة فإنه أطأ استحالة إلى الصفراء من العسل، فإن العسل أدخل في باب الغذاء وإصلاحه لمن لا يوافقه عسر، ولذلك كان القدماء يعتمدون على العسل في العلاج، ولا يتخطونه إلى السكر أصلا، وقد عمل بعض الأطباء بالمغرب مقالة في العسل وتفضيله على السكر وتغالى حتى تعصب على السكر، وصرح بالنهي عنه.
وبالجملة فلعق العسل على الريق تذيب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويدفع الفضل وينضجه ويسخنها باعتدال ويفتح سددها ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أقل أضرار السدد الكبد والطحال من كل حلو.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب كل يوم قدح عسل ممزوجا الماء على الريق.
Página 209