واتجهت الأم إلى يسري قائلة: أتنسى فضل الله، الله الذي جعل لك هذا الأخ الذي قام بأمرك وحرم نفسه من التعليم لأجلك، تنسى فضله. إلى أي مصير كنت تلقى بغير أخيك؟ أليس له فضل عليك؟
واستأنف يسري صمته في تخاذل، وقال خيري محاولا أن يخرج أخاه مما أوقع نفسه فيه: يا أخي، ما لهذا جميعه ولذهابك إلى بيت عزت باشا؟
وكأنما أثار هذا الاسم ثائرا في نفس يسري كان قد أوشك أن يهدأ. - يا أخي لا أريد، أهو مفروض علي أن أذهب؟ هل أنا أسير عندكم؟ لا أريد، لا أريد.
وقالت الأم في حدة: ولد، ما هذه اللهجة التي تتكلم بها؟ أجننت؟
وقال خيري مصطنعا الهدوء لا يزال: أليس لإحجامك هذا سبب؟
وقالت الأم: عظمة، واحد عظيم ليس لأحد فضل عليه.
وقال يسري دون أن يلتفت إلى سخرية أمه مستأنفا ثورته موجها حديثه إلى أخيه: أتريد أن تعرف لماذا؟ أتريد أن تعرف؟
وأسندت الأم ذقنها إلى يدها ونظرت إلى ابنها الثائر نظرة ثابتة دهشة، وقال خيري: إن كان لا يضيرك أن تقول. - لا يا أخي لا يضيرني، لا يا سيدي، أقول لك لماذا لا أذهب، لا أريد أن أرى غناهم وفقري، لا أريد أن أرى السراية وأعود إلى الشقة، لا أريد أن أرى محسن يلبس أفخم قماش وأفخم كرافتة ويستبدل كل يوم حلة بأخرى وأعود لأجد حلتي الوحيدة في الصوان، واحدة في الصوان لا تزيد، إن خرجت فإلى جسمي، ولتحل التي ألبسها مكانها واحدة في الصوان وواحدة علي، لا أريد أن أذهب حتى لا أرى فايزة الصماء تلبس أفخم الملابس، بل إن دولت تلبس أفخم الملابس، ونادية وهي تستقبل الشباب في ملابس ... ملابس ...
وقاطعه خيري: على مهلك، على مهلك، نحن نعرف تماما إلى أي مدى هم أغنياء ونعرف أيضا مقدار ما نملكه، ولكننا متساوون في أشياء أخرى، نحن وهم شرفاء، ونحن وهم أولاد عم لم نمد أيديهم يدا تستجدي ولا هم أشعرونا بفارق المال بيننا، والمساواة بيننا في ...
وقاطع يسري أخاه في حدة: في المركز العائلي والشرف والكرامة. ها، ها، هذه النكت التي لا تعرف غيرها، لم تعد تساوي شيئا، لا أستطيع أن أشتري بها بيت عزت باشا، تعال معي إلى المذبح، تعال إلى سوق الخضر، تعال إلى تجار الدقيق واللبن ومتعهدي الجيوش، تعال انظر إلى المجد الذي بلغوه بلا شرف ولا عائلة ولا كرامة، بلا شيء إلا الذكاء وفهم الدنيا كما يجب أن تفهم، تعال انظر إليهم الآن، الأموال مكدسة تجري بين أيديهم كما تجري على لسانك ألفاظ الكرامة والشرف والمركز العائلي. ولكن الفلوس تجري فتأتي بفلوس، وكلامك يجري فلا يأتي إلا بالفقر الأصلي. نحن لم نصل إلى بائع الخضر ولا إلى الجزار، لا ولا إلى حتى بائع اللبن، ولكننا مع هذا نتشدق بالبيت الكبير الذي كان لنا، وبقرابتنا القريبة من عزت باشا. وتصر أمي وتصر حضرتك على أن أذهب لزيارتهم، وتغضب أمي وتغضب حضرتك إذا قلت إني لا أريد الذهاب، لا يا أخي، لن أذهب، لن أذهب إلا حين أحس أنني أصبحت في غنى عزت باشا أو في غنى قريب من غناه، أعرفت الآن لماذا لا أريد الذهاب؟ هل اقتنعت؟ لن أذهب، ولن أنتظر حتى لأسمع رأيك، فإني أعرفه.
Página desconocida