وفي مصر - كما هو معلوم - كانت نشأة الكتابة بالصور، وفيها تطورت من الكتابة التصويرية إلى الكتابة المقطعية، ثم تطورت من الكتابة بالمقاطع إلى الكتابة بالحروف التي يستقل كل حرف منها بصوت يدل عليه في كل كلمة مكتوبة.
ولقد كان ينبغي أن يسبق العبريون غيرهم من القبائل السامية إلى اقتباس الكتابة على أنواعها، سواء أكانت بالصور أم بالمقاطع والحروف، بل كان ينبغي أن تكون ألواح الشريعة التي تلقوها في سيناء باعثا لهم على استكشاف الألواح المكتوبة في مناجمها بما عليها من الخطوط والحروف.
ولكن الواقع الذي يسجله تاريخ الكتابة أنهم لم يبتدئوا قط عملا من أعمال اقتباس الكتابة، ولا من أعمال ترقيتها ونشرها، ولا من أعمال التوفيق بينها وبين مخارج النطق في كلماتهم الملفوظة، وإنما كانوا في كل مرحلة من هذه المراحل مستنفدين يأخذون مما سبقهم ويتحجرون عليه، حتى تقسرهم على تغييره ضرورات المعاملة فيسري التغيير قهرا - مع الزمن - إلى كتابة الشعائر والعبادات.
فالكلمات العبرية التي وجدت في رسائل أمراء فلسطين إلى فرعون مصر منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد كانت تكتب بالحرف المسماري، كما حقق ذلك الأستاذ جمن
Gimmun
من أساتذة دار الفنون بليبزج.
ثم وجدت حروف عبرية تشبه الحروف التي وجدت على ضريح ميشاع ملك موآب.
وظل العبريون يكتبون بهذا الحرف إلى أيام سبي بابل، فنقلوا الحروف المربعة عن الحروف البابلية، وزادوا عليها حروف الحلق التي كانت شائعة على ألسنة الساميين بين بابل وكنعان - وكلها من مصدر عربي كما لا يخفى - لاختصاص النطق العربي بأكثر هذه الحروف.
وقد حفظ لنا المزمور التاسع عشر بعد المائة أسماء الحروف التي احتوتها الأبجدية العربية على عهد المملكة؛ لأنه جرى على طريقة التطريز في ابتداء كل مقطوعة بحرف من الحروف الأبجدية، وهي في هذا المزمور على ترتيب «أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت»؛ اثنان وعشرون حرفا، منها خمسة يتغير نطقها بإغفالها من الإعجام أو ينقلها من اليمين إلى اليسار، وهي: الجيم والواو والكاف والشين.
ومن آثار الاقتباس من النطق العربي أن حرف الغين لم يكن موجودا بين حروف المزمور، فلما وجد بعد اختلاطهم بمن ينطقون العربية أضافوه وسموه غيمل أي: على وزن جيمل. ويلاحظ أن «جيمل» بمعنى جمل عندهم، أما غيمل فلا معنى لها غير المحاكاة اللفظية ، وإنما قاسوها إلى أقرب المخارج فكتبوها كما تكتب الجيم وحذفوا نقطة الإعجام للتمييز بينهما.
Página desconocida