ولولا هذه الزيادة في عددهم وفي خبرتهم لما استطاعوا أن يقاتلوا قبائل البادية التي كانوا يهابونها ويهربون منها، ولا استطاعوا أن يهزموها ويطردوها من مواقعها إذا اجترءوا على قتالها، ولا تأتي لهم من دواعي الاستقرار في أرض كنعان ما يعينهم على إقامة الملك وبناء الهياكل من الحجارة بدلا من العرائش والخيام. ومهما يكن من بلاء أصابهم في مصر، فهو بلاء استحقوه واستحقوا أضعافه في بلاد العالم القديم شرقية وغربية.
ثم لازمتهم آفتهم الخالدة بعد إقامة المملكة وتعاقب العروش زهاء أربعة قرون، فلم يفارقوا نظام القبيلة بعد محاكاتهم لجيرانهم في نظام الدولة، ولبثوا في دولتهم كما لبثوا في هجرتهم قبيلة معزولة عن الأمم، بل سبطا معزولا عن سبط في داخل القبيلة، وظلت لهم شريعة «العصبية القبلية» دستورا يصلح لهم وحدهم في تقديرهم، ولكنه لا يصلح لتنظيم الدولة التي تجمعهم بغيرهم في كل تقدير.
فلم يزالوا من قيام المملكة إلى ما بعد ميلاد السيد المسيح يحرمون بينهم ما يحلونه بينهم وبين غيرهم، ويعملون بما جاء في سفر التثنية حيث يقال: «للأجنبي تقرض الربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك»؛ فهو ربه وإلهه وليس برب ولا إله للآخرين.
وظلوا يحصرون العصبية في أضيق حدودها بين الأسباط في القبيلة الواحدة، ويتشددون في حصر كل سبط بميراثه إلى أعقاب الأعقاب.
ففي الإصحاح السادس والثلايين من سفر العدد أنه «لا يتحول نصيب إسرائيل من سبط إلى سبط، بل يلازم بنو إسرائيل كل سبط نصيب سبط آبائه، وكل بنت ورثت نصيبا من أسباط بني إسرائيل تكون امرأة لواحد من عشيرة سبط أبيها لكي يرث بنو إسرائيل كل سبط نصيب آبائه، فلا يتحول نصيب من سبط إلى سبط آخر، بل يلازم كل واحد نصيبه كما أمر الرب موسى.» •••
ولا ضرورة للبحث الطويل في سبب الفشل الذي يلحق بدولة من الدول تقوم على مثل هذا النظام، وتقوم من ورائه على مثل هذا الشعور ، فإنه نظام يقف عند حدود القبيلة ويقصر عن التقدم وراء ذلك خطوة في طريق الحياة القومية، فضلا عن الحياة العالمية.
ومن فضول القول أن يتحدث نقاد التاريخ والمعقبون على أطوار الاجتماع عن «رسالة عالمية» يستفيدها العامل من هذه «العصبية القبلية» بعد تطور الأمم والشعوب وتطور العلاقات العالمية وتطور العقائد والآداب، فإن «الفكرة العالمية» لا تتولد في طور من أطوارها من مثل هذه الدعوة الدينية أو العنصرية، بل يكون تقويض أساس هذه الدعوة شرطا لازما لمجرد تصحيح النية وتوجيه الرغبة إلى الفكرة الإنسانية العامة والثقافة التي تستفاد لجميع الشعوب ولا تكون وقفا على شعب واحد دون سواه.
العبرية والعالمية
نعم، إنه لمن فضول القول أن يقال عن ثقافة دينية محصورة في هذا الحيز المحدود: إنها رسالة عالمية، أو إنها يمكن أن تسفر قبل زوالها عن رسالة عالمية.
لكن الأمر يتجاوز فضول القول إلى فقدان الحياء حين يقال: إن العبرية هي التي نهضت بأمانة الرسالة العالمية في تاريخ بني الإنسان، وأن تنعقد المقارنة بينها وبين حضارات الشرق في وادي النيل وفي وادي النهرين وفي شبه الجزيرة العربية، فيقال: إن تلك الحضارات جميعا لم تحفل بمبادئ الأخلاق ولم تقرر قواعد العدل والفضيلة، وإن أربابها لا تغضب للواجب والحق كما غضب لهما رب العبريين: رب الصواعق والجنود.
Página desconocida