Taysir Usul al-Fiqh lil-Mubtadi'een
تيسير أصول الفقه للمبتدئين
Géneros
أمثلة الكراهة
المثال الأول: مر النبي ﷺ برجل يشرب قائمًا، فقال له: (أتريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: يشرب معك من هو شر منه: الشيطان)، فهذه الصيغة ليس فيها التصريح بالتحريم، وإنما فيها النهي من النبي ﷺ عن الشرب قائمًا.
وأوضح من ذلك: (أنه أمر من شرب قائمًا أن يستقيء) ويصرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة: (أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم قائمًا)، فالذين قالوا بالتحريم أولوه بتأويلين: التأويل الأول: أن هذه حالة خاصة بماء زمزم لشرفه، وهذا تأويل ضعيف.
التأويل الثاني -وهو وجيه-: أن النبي ﷺ ازدحم عليه الناس، وقال للعباس: (لولا أن تتكالب عليكم الناس لنزحت معكم)، فشرب قائمًا، فهذا التأويل قوي، لكن نقول: عندنا قرينة أقوى من هذه القرينة وهي: (أن النبي ﷺ شرب قائماص من شنٍ معلقة) أي: قربة ماء، فشرب منها النبي ﷺ قائمًا، وهذه قرينة قوية؛ لأن النبي ﷺ يستطيع أن يأخذ القربة ثم يجلس ويشرب بلا عناء، لكن إذا شرب قائمًا فإنه يبين أن هذا النهي الذي صدر منه ليس على التحريم لكنه على الكراهة.
وفائدته: أن يبين للناس أنه لا إثم على من شرب قائمًا، فلذا النبي ﷺ قد يفعل مكروهًا لا محرمًا ليشرع للناس، ولينقل شرع الله لهم.
ويتفرع على هذا: أن الذي يفعل المكروه لا إنكار عليه، لكن لابد أن يبين له أنه فعل مكروهًا واستهان به، وهو بهذا لا محالة سيقع في الحرام.
المثال الثاني: البول قائمًا، قالت عائشة: (ما كان النبي ﷺ يبول إلا كما تبول النساء)، أو قالت: (من قال أن النبي ﷺ بال قائمًا فقد كذب)، وفيه دلالة على أن النبي ﷺ كان لا يبول إلا جالسًا، وقد نهى عن البول قائمًا، وقد جاءتنا القرينة تصرف التحريم إلى الكراهة عند جمهور أهل العلم، وهي كما في الصحيحين: (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائمًا)، ففعل النبي ﷺ صرف النهي من التحريم إلى الكراهة.
لكن التحقيق في المسألة فقهيًا: أن من يبول قائمًا يحرم عليه ذلك إلا إذا أمن الرذاذ، فإذا لم يأمن فهو عليه حرام.
ودليل ذلك: أن النبي ﷺ قال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله)، أي: لا يستتر ويأمن من الرذاذ الذي يعود عليه، وهذا تأويل لبعض أهل العلم، وهو تأويل راجح ووجيه.
فالذي يبول قائمًا ولا يحمي نفسه منه يحرم عليه أن يبول قائمًا، وهذا هو الحاصل في كثير من المراحيض الموجودة في كثير من المساجد؛ فيحرم عليه البول قائمًا في تحقيق هذه المسألة.
ويدل على ذلك: أن النبي ﷺ بال على الكناسة وهي رخوة لا يرتد منها رذاذ.
المثال الثالث: قضاء الحاجة مستدبر القبلة أو مستقبلها في المراحيض، أما في الخلاء فقولًا واحدًا أنه يحرم ذلك؛ لحديث: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن سددوا وقاربوا)، فذهب أبو أيوب ﵁ وأرضاه إلى الشام فوجد مراحيض مستقبلةً القبلة، قال: فكنا نستدير ونستغفر الله.
المقصود: أنهم في البنيان اختلفوا؛ فذهب إلى التحريم بعض الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم، لكن التحقيق في المسألة: أن ذلك يجوز إذا وجد في الصحراء ساتر، لحديث ابن عمر: أنه اتخذ من مؤخرة الرحل ساترًا له، ولما سئل عن ذلك قال: إنما ذلك في الصحراء.
والراوي أعلم بما روى.
المثال الرابع: الأكل من جميع نواحي الطبق؛ لأن النبي قال: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)، والأصل أن هذا الأمر ظاهره التحريم، لكن جاء في الحديث عن أنس: (أن النبي ﷺ كان يتتبع الدباء).
5 / 3