كم ذا أراه ولا يراني
وقد سأله بعض إخوانه لما سمع هذا البيت: كيف تقول: إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك؟ فقال:
يا من يراني مجرما
ولا أراه آخذا
كم ذا أراه منعما
ولا يراني لائذا
قال المقري: «من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ - رحمه الله - مئول، وأنه لا يقصد ظاهره، وإنما له محامل تليق به ... فأحسن الظن به ولا تنتقد، بل اعتقد، وللناس في هذا المعنى كلام كثير، والتسليم أسلم، والله بكلام أوليائه أعلم».
16
وما نريد أن نحكم بأن الغموض هو خير المذاهب الأدبية، وأن الصوفية صاروا بإيثار الغموض خير الناس، لا، وإنما نريد أن نقول: إن وجودهم الأدبي كان ظاهرا جدا، وأن مذهبهم في التعبير شاع حتى وصل صداه إلى ميادين النقد الأدبي، وليس الغموض بالمذهب المذموم على الإطلاق، فله في مصر وغير مصر أنصار وأشياع، وليس من المستكره أن يعمد الكاتب إلى معانيه فيفصح عن بعض ويرمز إلى بعض، بل قد يكون من مظاهر الأريستوقراطية العقلية أن لا يفكر الكاتب إلا في الخواص، وهذه الأريستوقراطية ليست مذمومة في جميع الأحوال؛ لأن الكاتب لا يحسن به دائما أن يخاطب جميع الناس، فللوضوح مقامات، وللغموض مقامات، وكانت معاني الصوفية أدق من أن ترسل إلى مختلف الجماهير في ألفاظ واضحة المدلول.
أصل التحامل على الشعر والشعراء
Página desconocida