Historia de Napoleón Bonaparte: 1769–1821
تاريخ نابوليون بونابرت: ١٧٦٩–١٨٢١
Géneros
2
رأى نابوليون الآن ما الذي أراد الروسيون أن يفعلوه؛ فإنه لم يجد في موسكو بدل المداولات أو المفاوضات في سبيل الصلح إلا مضرمي نار غلفوا المدينة باللهيب وزنروها بالخرائب! لقد حق له أن يقول مع مدام ده ستال: «ما من أمة حضرية ضمت من المتوحشين ما ضمته روسيا.»
على أن النار ما زالت تمتد حتى جاورت الكريملن فتحطم زجاج القصر الإمبراطوري، وخشي نابوليون على نفسه فعزم على الرجوع، ولكنه لم يشأ أن يتقهقر أمام الفظاعة التي قهرها في عشرين موقعة فعدل عن عزمه؛ عند هذا أخذ الجميع يحاولون إقناعه بضرورة الرحيل مشيرين إلى الشرر المتساقط على باحات القصر والمشاقات الملتهبة المنتشرة على الحضيض المعسكرة عليه فرقة المدفعية، سوى أنه بقي مصرا على عزمه، قائلا إنه لا يطيق على نفسه أن يطرده بضع مئات من مضرمي النار، من عمال روستوبشين، ولكن الحياة التي يعرضها للخطر إنما هي ملك الجيش، ملك فرنسا. وفي نهاية الأمر، لما عاد برتيه من إحدى شرفات القصر المرتفعة وأطلع الإمبراطور على أن الخطر كاد يلامسه وأن اللهيب يحيط بالقصر، لم يجد بدا من الرضوخ لمشيئة القدر، فتقهقر إلى مسافة صغيرة من موسكو ومكث في قصر بترووسكوني على طريق بطرسبورج.
لما سكنت النار في موسكو عاد نابوليون إلى الكريملن، الذي نجا من الحريق، فرأى المدينة ملأى بالناهبين من جميع الشعوب، فأخذ يهتم بالشرطة في داخل موسكو والبلدان المفتتحة. إلا أن الإسكندر، على ما حل به من النكبات، بقي أصم عن جميع المطاليب السلمية التي طرحت عليه، وكأنه نسي أن القسم الأكبر من ولاياته أصبح طعما للخراب فحول نظره عن الكريملن ليشخص به إلى الوزارة الإنكليزية التي ما فتئت تمهره بألوان المديح والتشجيع. ولكن عناصر الطبيعة بدأت تبشر بطلائع الفصل الرهيب، فخرج نابوليون من موسكو في التاسع عشر من شهر تشرين الأول بعد أن ترك للمرشال مورتيه أمرا بنسف الكريملن.
الفصل التاسع عشر
في أثناء ذلك كان موقف الجيش الفرنسي يسوء من يوم إلى يوم، وكان البرد القارس، ذلك العدو الرهيب، يسقط الجليد إلى عشرين درجة تحت الصفر، فكأن القدر شاء اليوم أن يعبس في وجه نابوليون كما ابتسم له في الماضي. ولكن لم يبق للإمبراطور، بعد جميع الخسائر التي كابدها في معارك سمولنسك وبولوتسك ووياسما التي تلت حريق موسكو، إلا شجاعة قواده وجنوده الذين، وإن عصفت عليهم عواصف النكبات بعد تلك الانتصارات العديدة، إلا أنهم بقوا جديرين بالمجد وبالرجل العظيم الذي قادهم من فتح إلى آخر، سوى أن الشجاعة الكبيرة، وإن كانت لا تزال قادرة على إبقاء المجد تحت أعلامها؛ فإنها لا تستطيع شيئا ضد الحظ الخائن.
المذكرة التاسعة والعشرون «بدأ البرد القارس في السابع من شهر تشرين الثاني ، فمنذ ذلك الوقت أخذت كل ليلة تختلس منا بضع مئات من الجياد التي فتك بها البرد. ولما وصلنا إلى سمولنسك كنا قد فقدنا كثيرا من الجياد والخيالة والمدافع.
كانت الطرق مغطاة بالجليد، أما الجياد فلم تكن تموت بالمئات بل بالألوف حتى إنه لم تمض بضعة أيام حتى فني ثلاثون ألفا منها، عند هذا اضطر الجيش أن يترك قسما كبيرا من المدافع والمئونة على قارعة الطرق.
لما شاهد الأعداء هذا الموقف الفظيع أرادوا أن يغتنموا الفرصة، وكانوا محتلين جميع معابر البريزينا، وهو نهر عرضه مائة وعشرون قدما، فاستحكموا في منافذ مختلفة ظنا منهم أن الجيش الفرنسي لا بد أن يمر منها. إلا أن نابوليون، بعد أن خدع العدو بحركات متباينة، زحف إلى قرية ستودزياكا وألقى جسرين على النهر مر عليهما الدوق ده ريجيو فهاجم العدو وقاتله ساعتين متواليتين حتى تمكن من إبعاده إلى جسر بوريزوو.
ولكن نابوليون لم يتملص من الروسيين إلا ليشاهد جيشه متساقطا تحت قساوة البرد! قال أحد الشهود: كانت الأيدي تجلد على الحديد والدموع تتجمد على الخدود، وكنا في حالة من الخدر والجمود صعب علينا بها أن نتبين بعضنا بعضا ... وقال الدكتور لاري: كما نمشي في صمت رهيب ... وكان الموت مرتسما على شحوب الوجوه بشيء من البله!»
Página desconocida