وفي هذا الانتقال الذي تمارسه المرأة قبيل الخمسين تتزعزع الشخصية بعض الشيء. فإذا رافقها مثل هذا الصراع الداخلي الذي كان يتمزق به قلب مي على الشباب الذاهب فإن هذا التزعزع يتفاقم.
وهذا هو ما حدث. فإن مي شرعت تخلط بين الحقائق والأوهام. وكانت تطل من نافذة غرفتها فتجد من يتربصون بها بغية خطفها. وكانت أمها التي كانت تؤنسها قد ماتت؛ فزادت أوهامها وتجسمت حقائق مرعبة تمزق أعصابها وتطغى على عقلها.
وعرف أقرباؤها هذا الحال وخافوا عليها مصيرها المؤلم إذا بقيت وحدها. فأغروها بالسفر إلى لبنان للنزهة والتفرج فلما وصلت حملوها مقيدة إلى مستشفى، أو مارستان، حيث بقيت سنوات، عادت بعدها إلى مصر.
وسمعت بعودتها، فاتفقت مع صديق لي هو الأستاذ أسعد حسني على زيارتها. وكانت صورتها في ذهني لا تزال صورة الفتاة الجميلة الحلوة التي تضحك في تدلل وتتحدث في تأنق عن النزعات والمذاهب الأدبية أو الفلسفية. ودققنا الجرس، فخرجت لنا امرأة مهدمة كأنها في السبعين قد اكتسى رأسها بشعر أبيض مشعث. وكان وجهها مغضنا قد تقاطعت فيه الخطوط، وكان هندامها يبدو مهملا.
وظننت لأول رؤيتها أنها خادمة وانتظرت كي تتنحى وندخل أنا وصديقي، ولكنها لم تتنح. وغمزني صديقي الذي كان قد زارها من قبل وهو يهمس بصوت أعتقد أنها سمعته: «الآنسة! الآنسة!»
وعندئذ سلمت وأنا مثلج من الخجل، ودخلت أجر قدمي وقعدت إزاءها وأنا أفكر في هذه المأساة: أين شبابها؟ أين حلاوتها؟
وكان معظم ما يؤلمني أني أحسست أنها فهمت من ترددي في التسليم عليها عند الباب أني أنكرت شيخوختها ولم أعرف أن مي الجميلة الرشيقة خالدة الشباب، قد استحالت إلى عجوز لم يبق لها من جمالها غير الذكرى.
وقعدنا نتحدث، فروت لنا كيف خطفوها من القاهرة إلى مارستان العصفورية في لبنان، وكيف كانوا يتربصون بها على مقهى قريب في الشارع القريب من منزلها. ثم شرحت لنا ما كابدته من عذاب في هذا المارستان، وجعلت تلومني لأني لم أسأل عنها. وتدفقت دموعها كما لو كانت ميازيب. وجرى بكاؤها في تشنج كأنها كانت تلتذه. ثم هدأت، وأشعلت سجارة وجعلت تدخن وتنفخ دخانها علي مداعبة لأني أكره الدخان، وهنا استولى عليها طرب فشرعت تضحك في إسراف يزيد على إسرافها في البكاء. وكانت تتشنج بالضحك كما كانت تتشنج بالبكاء.
وتكرر هذا منها. ضحك فبكاء، ثم ضحك فبكاء ، مع إسراف في الاثنين.
وسهل علي الوقوف على علتها. هي مانيا؛ أي ذلك الجنون الذي يقع كثير من الانبساطيين ذوي الوجوه المستديرة.
Página desconocida