691

ذهب بعض الجهال من الشيعة إلى أنه لا اعتبار بالرؤية، وأن الهلال إذا رؤي عشية، كان ذلك اليوم من الشهر الجديد، وقالوا: في قوله: ((صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته))، أن الصوم والإفطار يجب أن يتقدما على الرؤية، كما أن القائل إذا قال: تسلح للحرب، يجب أن يكون التسلح قبل الحرب، وإذا قال: تطهر للصلاة، يجب أن يكون التطهر قبل الصلاة، وهذا قول خارج عن(1) إجماع المسلمين، وليس يحفظ عن أحد من السلف، ولم يكن سبيل مثل هذا أن يذكر في هذا الكتاب، إلا أن قوما من الجهال قد اغتروا به، ويحجهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالصوم بعد ما شهدوا عنده على الرؤية في حديث الأعرابيين، وحديث ابن عمر، وحديث الأعرابي. وأما قولهم: إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته)) يوجب أن يكون الصوم قبل الرؤية، وكذلك الإفطار، وضربهم المثل لمن(2) قيل له: تسلح للحرب، وتطهر للصلاة، فقول فاسد؛ لأن قوله: ((صوموا لرؤيته)) كقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}، ولا خلاف أن الصلاة بعد الدلوك، وذلك(3) أنه صلى الله عليه وآله وسلم جعل أمارة وجوب الصوم والإفطار الرؤية، كما جعل تعالى أمارة وجوب الصلاة دلوك الشمس، ومن شأن ما هو أمارة للشيء أن يتقدمه، فيحصل العلم به، ثم يعلم الحكم بعدها، وليس كذلك التسلح للحرب؛ لأنه كالآلة للحرب، وليس يمتنع في الآلات أن يكون فيها ما يجب تقدمه على ما هو آلته، وإن كان فيها ما لا يجب فيه، والتطهر أمر به /109/ يتوصل إلى الصلاة، فوجب أن يكون قبلها، وليس كذلك الصوم؛ لأنه لا يصح أن يقال فيه: إنه يتوصل به إلى الرؤية، فبطل ذلك.

مسألة [في عدة شهر رمضان]

قال: وقد يكون شهر رمضان تسعة وعشرين يوما، وقد يكون ثلاثين يوما.

وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1).

وهو قول عامة الفقهاء من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم، وحكي عن شرذمة أنهم قالوا: لا يكون أقل من ثلاثين يوما.

والأصل في ذلك:

ما روى ابن أبي شيبة بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كم قد مضى من الشهر ))؟ قلنا: مضى اثنان وعشرون يوما، وبقيت ثمان. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بل مضى اثنان وعشرون يوما، وبقيت سبع، التمسوها الليلة ))، ثم قال: ((الشهر هكذا، والشهر هكذا ))، ثلاث مرات، وأمسك بواحدة(2).

وروي عن أبي هريرة، ونقص في الثالثة أصبعا.

وروى أبو داود في (السنن)، عن ابن مسعود، قال: ((صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين)).

Página 193