لم يشأ «أدورنو» - على سبيل المثال - أن يكون فيلسوفا ولا عالم اجتماع بالمعنى الحرفي أو المهني للكلمة. وباستثناء دراساته عن كيركجارد وهيجل، وكتابيه الشهيرين: جدل التنوير (بالاشتراك مع صديقه هوركهيمر) وجدل السلب أو الجدل السالب، لا نكاد نجد له كتابا متخصصا سوى كتاب واحد مبكر (إذ يرجع للثلاثينيات وطبع طبعة جيدة في الستينيات)، وهو كتابه عن ظاهريات هسرل: «النقد البعدي لنظرية المعرفة، دراسات عن هسرل والنقائض الظاهراتية». لقد كان همه الأول في كتاباته الفلسفية والاجتماعية والأدبية والجمالية، هو تصعيد عقلانية الذات العارفة إلى الحد الذي تحس معه بالأبنية المتناقضة في الوعي والأشياء. ولم تكن الفلسفة عنده مجرد معرفة تصورية، بل نقد شامل للواقع الإنساني الحي، وللتناقضات الاجتماعية التي عذبته وعذبت الناس من حوله؛ أي فلسفة واقعية حرة، خالية من قلق الوقوع في هاوية بلا قرار ولا أرض صلبة تقف عليها؛ هذه الأرض الصلبة التي لن تكون إلا تجربة الواقع الحي الذي تشتبك فيه الذات العارفة مع الموضوع على نحو جدلي ونقدي، يخلص هذا الواقع ويخلصها من كل أشكال الاغتراب والقهر والقلق، ويجرده من كل النزعات الأسطورية والوهمية عن فلسفة أولى تعتمد على تصور أولي مطلق (سواء أكان روحا مطلقا كما عند هيجل، أو وعيا محضا متعاليا يقصد إلى الموضوعات كما عند هسرل، أو كينونة عامة ووجودا على الإطلاق يضم كل الموجودات كما عند هيدجر )؛ لأن مثل هذه الفلسفة لا بد أن تنتهي إلى مثالية جرداء جوفاء، مغتربة عن الواقع الحي وعن الفلسفة الواقعية الحية على السواء.
ظل أدورنو يعتقد بهذه الفلسفة التي تتمثل في نظرية نقدية عن المجتمع، وتحتفظ بدقة النظرية واستقلالها وغناها بالمضمون من ناحية، وبقدرتها على تفسير الواقع وتغييره من ناحية أخرى. غير أن هذه النظرية لم تكتمل أبدا، ولم يزد ما أنجزه منها على عدد من المحاولات والمقالات المتنوعة، التي بقيت على صورة نماذج وشذرات ناقصة كما سبق القول. وتوضح هذه العبارة الواردة في كتابه «جدل السلب» صعوبة المشكلة، كما تذكر القارئ بعبارة ماركس وإنجلز الشهيرة في كتابهما عن «الأيديولوجيا الألمانية»، من أن الفلاسفة قد اكتفوا حتى اليوم بتفسير العالم، وقد آن أوان تغييره:
فالفلسفة التي بدا في وقت من الأوقات كأن زمانها قد انقضى، تستمر في الحياة؛ لأن لحظة تحقيقها قد أغفلت فيما مضى. والحكم المبتسر بأنها اقتصرت على تفسير العالم حكم عليه هو ذاته بالشلل؛ بسبب الإحساس بمرارة الخذلان أمام الواقع، وتحول إلى هزيمة للعقل بعد أن فشلت محاولات تغيير العالم. ربما «يرجع السبب في ذلك» إلى قصور التفسير الذي وعد بالتغيير العملي.
هذه العبارة العسيرة تشبه أن تكون نوعا من الاعتراف الذاتي الأمين أو من الرثاء الحزين؛ فلم يستطع «أدورنو» أن يقدم النظرية المستقلة التي فكر فيها؛ إما لأن وقتها لم يكن قد حان، وإما لأنها اختنقت في تناقضات العصر وأزماته وتحيزاته وأساطيره اللاعقلية البشعة التي حجرت على الحريات، ولم تمكن الفلاسفة ولا الفلسفة من إدراك «الكل» الذي تطمح دائما إلى الإمساك به في الفكرة. لقد كان الواقع الأوروبي قد بلغ في رأيه حدا من الزيف واللامعقولية يصعب معه إدراكه بالعقل؛ ولذلك صرف جهوده - في الكتب السابقة الذكر عن الجدل - إلى تحليل لاعقلانيته المقنعة بأقنعة العقل والعلم، والتمس النجاة في مناطق تقع وراء حدوده (في النظرية الموسيقية، وفي أدب الحداثة وشعره ومسرحه - خصوصا عند باول سيلان وبيكيت - وجماليات العمل الفني)؛
13
ليتحقق له الوعد بالسعادة والحقيقة الذاتية الأصيلة غير المزيفة (التي كانت من أهم ما جمعه بفلسفة «هيدجر»، على الرغم من هجومه البشع عليه وعلى كل الأنطولوجيات (أي نظريات الوجود) الجديدة في كتابيه: لغو الأصالة، وجدل السلب ...)
14
ومن ثم بقيت يوتوبياه - إذا جاز الحديث أصلا عن يوتوبيا بالمعنى الدقيق لديه! - هي الحلم بواقع إنساني «متصالح»، يحيا فيه أفراد غير مغتربين عن الناس الأحياء وعن عالم الأشياء، ويشاركون بلا خوف في كل اجتماعي لا يقهرهم، وينطلقون من تجاربهم الخاصة إلى الحقائق الفلسفية العامة.
غير أن «اليوتوبيا» بهذا المعنى المتواضع، لم تتحقق في حياته ولا في حياة سائر أعضاء مدرسة فرانكفورت. ومع تصاعد اليأس من إمكان الثورة الحقيقية على الأوضاع الظالمة في المجتمع الصناعي المتقدم، وتزايد الشك في الأحزاب اليسارية المتصدعة، وفي حركة تمرد الطلاب الذين رفعوا في البداية بعض شعاراتهم وتغذوا على فكرهم؛ مع كل هذا بقي لديهم الإصرار على تأكيد دور المعرفة العلمية والتنظير الدقيق في إحداث الثورة المؤجلة والتعجيل بالمجتمع الإنساني الجديد، وواصلوا جهودهم المخلصة لإقامة النظرية النقدية، وتعرية كل أشكال التبرير للأوضاع السائدة، ونشر الوعي بضرورة التغيير الجذري. لم يتخلوا عن الأمل في الخلاص - على الرغم من نظرتهم الفاجعة إلى التاريخ البشري وكأنه تاريخ الرعب والتسلط والتعذيب - ولا عن إيمانهم بالتضامن الإنساني وقوة الحب، وتعاطفهم مع العمال والفقراء والمضطهدين والمستغلين، والتزامهم بالنظرية الماركسية في روحها الإنسانية العامة كما تجلت في «المخطوطات لسنة 1844م»، وفي الإطار التاريخي الواسع الذي يمتد من كانط والتنوير الفرنسي إلى هيجل وماركس، بل لقد أدخلوا عليها نوعا من الوجودية المادية (إذا جاز هذا التعبير عن الشقاء المادي والجسدي للفرد المعذب والجماهير المطحونة، بما يؤكد تناهي الإنسان وفناءه وتعاسته جنبا إلى جنب، مع تأكيد النظرة التاريخية والاجتماعية النقدية إليه).
والمهم أن عزوفهم عن الاشتراك في العمل السياسي، وخيبة أملهم في كل الممارسات الثورية على عهدهم، قد زاد من تشبثهم بالنظرية التي جعلوها - على حد تعبير ماركوز - أعلى صور الممارسة. وإذا كانوا قد عجزوا عن بلورة هذه النظرية في نسق واضح متماسك كما سبق القول، فإن ذلك لا يطعن في جهود الجيل الأول منهم على أقل تقدير؛ لأن الجيل الثاني لا يزال يواصل العمل على بنائها (كما نرى على سبيل المثال في نظرية هابرماس عن فعل التواصل - 1981م - ومحاولته إقامة نسق من المبادئ والمعايير التي تحدد أسس الحوار والتفاهم الإنساني الحر)، وإن كانت فكرة «النسق» نفسها قد أصبحت متعذرة التحقيق وغير مستساغة في عصرنا الحاضر.
Página desconocida