Tafsir Bayan Sacada
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
Géneros
النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون
[النبأ: 2-3] { وما اختلف فيه } فى الحق او الكتاب الذى انزل بالحق { إلا الذين أوتوه } واما غيرهم فحالهم فى الغفلة وكونهم امة واحدة حال الناس قبل البعثة { من بعد ما جآءتهم البينات } الحجج الواضحات لا قبل اتمام الحجة فليس اختلاف المنكر مع المقر الا عن عناد ولجاج لا عن شبهة واحتجاج ولذا قال تعالى { بغيا } ظلما واستطالة واقعة { بينهم } يعنى ان المنكرين لم ينكروا الحق بشبهة سبقت الى قلوبهم ولا لعنادهم للحق بل الانكار انما هو للاستطالة والتعديات التى بينهم فاقرار المقر صار سببا لانكار المنكر { فهدى الله الذين آمنوا } بعد الهداية او كان فيهم قوة الاذعان والموافقة لا الذين كان فيهم قوة الاستطالة والطغيان والمخالفة { لما اختلفوا فيه من الحق } من بيانية والظرف مستقر حال من ما او من ضمير فيه والعامل فيه عامل ذى الحال { بإذنه } بترخيصه واباحته التكوينية ظرف لغو متعلق باختلفوا او بآمنوا او بهدى وتفسيره بالاباحة والترخيص اولى من تفسيره بالعلم كما فسره بعض { والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } تأكيد لما سبق ودفع لتوهم الشريك له تعالى فى الهداية فان تقديم المسند اليه يفيد الحصر والتأكيد، وتنبيه على ان مناط هدايته تعالى ليس من قبل العبد بل هو مشيئته تعالى حتى يخرج العباد من مشيئتهم ولا ينظروا الى أعمالهم وتصريح بكون المؤمنين مرضيين كما كانوا مهديين وكون ما اختلفوا فيه هو الصراط المستقيم.
[2.214]
{ أم حسبتم } ام منقطعة متضمنة للاستفهام الانكارى او مجردة عن الاستفهام والاضراب عن انزجارهم بسبب الاختلاف وعن انكارهم جواز الاختلاف بعد بعث الرسل كأنه قيل: لا ينبغى الانزجار من الاختلاف والانزعاج من اذى المختلفين وانكار جواز الاختلاف بسبب بعث الرسل فكأنه قال: هل ضجرتم من الاختلاف وانكرتموه بعد بعث الرسل؟! بل ظننتم { أن تدخلوا الجنة } يعنى لا ينبغى لكم مثل هذا الظن فان الراحة بدون العناء لا تكون الا نادرا فوطنوا أنفسكم على الاختلاف الشديد والاذى الكثير من المخالفين حتى تفوزوا بالجنة { ولما يأتكم } جملة حالية { مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء } مستأنفة جواب لسؤال مقدر او حال بتقدير قد { والضرآء } البأساء الضرر الذى يكون من قبل الخلق على سبيل العداوة نفسيا كان ام ماليا، والضراء ما يكون من قبل الله، او من قبل الخلق لا على سبيل اعلان العداوة، ويستعمل كل فى كل وفى الاعم { وزلزلوا } اضطربوا اضطرابا شديدا فى معاشهم ودنياهم من اذى المخالفين او فى دينهم ايضا من مشاهدة غلبة المخالفين ومغلوبيتهم { حتى يقول الرسول } قرئ بالنصب بتصوير الحال الماضية حاضرة بتصوير الزلزال حاضرا والقول بالنسبة اليه مستقبلا، وبالرفع بتصوير القول حاضرا او ماضيا { والذين آمنوا معه متى نصر الله } استبطاء لنصره تعالى وهذا بالنسبة الى المؤمنين جائز الوقوع فان الاضطراب فى الدين او الدنيا قد يقع منهم لضعفهم وعدم تمكينهم واما بالنسبة الى الرسول فيكون على سبيل المشاكلة، او هذا الكلام منه ومنهم على سبيل المسألة لا الاستبطاء والانزجار { ألا إن نصر الله قريب } كلام من الله جواب لسؤال مقدر تقديره هل يكون النصر بطيئا؟ - فقال: الا ان نصر الله قريب، او التقدير فما قال الله لهم؟ - فأجيب: قال الله: { الا ان نصر الله قريب } ، فحذف قال او كلام منهم كأنه قيل: أفما قالوا غير ذلك؟ - فقيل: قالوا بعد ما تأملوا فيما شاهدوا من فضل الله عليهم: { ألا إن نصر الله قريب } ، او الكلام من قبيل { وقالوا كونوا هودا أو نصارى } بان يكون القول الاول من الامة وهذا من الرسول.
[2.215]
{ يسألونك } مستأنف منقطع عما قبله { ماذا } اى شيء او ما الذى { ينفقون } وعلى الاول فماذا فى موضع نصب مفعول لينفقون { قل مآ أنفقتم من خير } ما يصدق عليه اسم الخير من المال كائنا ما كان قليلا او كثيرا جيدا او غير جيد، ولا يصدق اسم الخير على المال الا اذا كان كسبه بقلب صاف ونية صادقة والتصرف فيه كذلك وما مفعول أنفقتم ولا حاجة الى جعله مبتدأ حتى يحتاج الى تقدير العائد { فللوالدين } كأن سؤالهم عن المنفق فأجاب تعالى بالمصرف تنبيها على ان الاهتمام فى الانفاق بان يقع فى موقعه ويصدر عن قلب صاف ونية صادقة كما اشير اليه بعنوان الخير لا بعين المنفق فانه قد يقع التمرة فى موقعه فيفضل القنطار { والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل } بين المصرف بالترتيب الاولى فالاولى { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } ترغيب فى الانفاق بان مطلق فعل الخير معلوم له تعالى ولا يدعه من غير مجازاة؛ وما مفعول { تفعلوا }.
[2.216]
{ كتب عليكم القتال } مستأنف منقطع عما قبله مثل سابقه ولا حاجة الى تكلف الارتباط بينهما فان كلا من هذه بيان لحكم من احكام الرسالة غير الحكم الآخر { وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } اعلم ان ملائمات النفس كلها مطلوبة محبوبة للانسان فى مرتبته البشرية ومؤلمات النفس كائنة ما كانت مكروهة له فى مرتبته البشرية، وكثيرا ما يكون الانسان جاهلا بان ملائمات النفس ومكروهاتها ملائمة لقوته العاقلة او غير ملائمة، والقتال من حيث احتمال النفس تلفها وتلف اعضائها وتعبها فى الطريق وحين البأس والخوف من العدو وسماع المكروه من المقاتلين وغير ذلك مكروه لها، لكنه من حيث تقوية القلب والاتصاف بالشجاعة والتوكل على الله والتوسل به وتحصيل قوة السخاء وقطع النظر عن الآمال وغير ذلك من المحامد الحاصلة بسببه خير للانسان، وهكذا الحال فى سائر ملائمات النفس ومؤلماتها؛ ولذلك قال تعالى: { والله يعلم } ان فى القتال وفى سائر ما كرهتموه الذى أمركم الله به خيرا لكم ولذلك يأمركم بها { وأنتم لا تعلمون } ولذلك تكرهون.
[2.217]
{ يسألونك عن الشهر الحرام } قد مضى الاشهر الحرم والتوصيف بالحرام لحرمة القتال فيه ولذا ابدل عنه بدل الاشتمال قوله تعالى { قتال فيه قل قتال فيه كبير } ارادة الجنس والتوصيف بالظرف مسوغ للابتداء بقتال { وصد عن سبيل الله } مبتدأ خبره اكبر والجملة عطف على مقول القول او هو عطف على كبير او على قتال عطف المفرد { وكفر به } عطف على صد { والمسجد الحرام } عطف على سبيل الله وليس عطفا على المجرور بالباء لعدم اعادة الجار او عطف عليه على قول من اجازه { وإخراج أهله منه } عطف على صد ان جعل مبتدأ والا فمبتدأ خبره { أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل } وهو رفع لتحرج المسلمين بالقتال فى الاشهر الحرم { ولا يزالون يقاتلونكم } فى الاشهر الحرم وغيرها هو من كلامه تعالى عطف على { يسألونك } او مقول قوله تعالى عطف على جملة { قتال فيه كبير } { حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } فقاتلوهم ما استطعتم فى الاشهر الحرم وغيرها فانه لا يجوز التوانى فى المقاتلة اذا كانت مدافعة عن النفس والمال والعيال فكيف اذا كانت مدافعة عن الدين فلا يمنع منها شهر حرام ولا مكان محترم { ومن يرتدد منكم عن دينه } من كلامه تعالى وعطف على { لا يزالون } او على { يسألونك } او مقول قول الرسول (ص) او جملة حالية { فيمت } عطف على { يرتدد } { وهو كافر } تقييد الموت بالكفر فى ترتب العقوبة للاشعار بان من مات وكان كافرا قبل الاحتضار لا يحكم عليه بالعقوبة لجواز ان يقبل الولاية حين الاحتضار وظهور على (ع) عليه فان ظهر عليه على (ع) حين الاحتضار وأنكر هو؛ كان موته على الكفر والا فلا، ومن لا يعلم حال المحتضر من القبول والرد لا يجوز له الحكم عليه باسلام ولا كفر، ولا ينبغى التفوه باللعن عليه { فأولئك } تكرار المبتدأ باسم الاشارة البعيدة لاحضارهم ثانيا باوصافهم الذميمة ولتحقيرهم حتى يكون ابلغ فى الزجر والردع { حبطت أعمالهم } قد مضى قبيل هذا ان الاعمال القالبية التى هى عبارة عن الحركات والهيئات والاذكار المتجددة التى لا يجتمع جزء منها مع جزء ولا يبقى جزء منها آنين لا يحكم عليها بالثبات ولا بالتجسم، واما حقائقها الداعية الى تلك الاعمال والمكتسبة منها فهى شؤن النفس الجوهرية وهى ثابتة متصفة بالتقدر والتجسم والحبط، وحبط العمل عبارة عن بطلانه وزواله عن صفحة النفس، ولما كان النفس ذات جهتين جهة دنيوية وهى جهة اضافتها الى الكثرات وجهة أخروية وهى جهة اضافتها الى عالم التوحيد والارواح واذا صدر عنها عمل جسمانى او نفسانى تتكيف النفس بجهتيها؛ وثمرة كيفية جهتها الدنيوية الخلاص من عذاب الاوصاف الرذيلة، وثمرة كيفيتها الاخروية الفراغ من الخلق والتلذذ بمناجاة الله، فمن ارتد حبطت اعمالهم { في الدنيا و } من يمت وهو كافر { حبطت اعمالهم } فى { الآخرة } هذا على ان يكون الظرف ظرفا للحبط، ويجوز ان يكون حالا من اعمالهم والمعنى من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر حبطت اعمالهم حال كونها ثابتة فى جهاتهم الدنيوية وثابتة فى جهاتهم الاخروية، { ومن يرتدد منكم عن دينه } ويمت على الايمان ثبتت اعماله فيهما { وأولئك } كرر اسم الاشارة البعيدة لما ذكر { أصحاب النار هم فيها خالدون } قيل فى نزول الآية ان المسلمين قتلوا فى اول غزاة غزوها مع المشركين قبل البدر ومن المشركين فى اول رجب فسأل المشركون محمدا (ص) عن الشهر الحرام، وقيل سأل المسلمون عن ذلك.
Página desconocida