Tafsir and the Exegetes
التفسير والمفسرون
Editorial
مكتبة وهبة
Ubicación del editor
القاهرة
Géneros
اختص بها النبى ﷺ والأئمة من بعده، فهم الذين عندهم علم الكتاب كله، لأن القرآن نزل فى بيتهم "وأهل البيت أدرى بما فى البيت". أما مَن عداهم من الناس فلا يرون أدنى شبهة فى قصور علمهم، وعدم إدراكه لكثير من معانى القرآن الظاهرة، فضلًا عن معانيه الباطنة، قالوا: ولهذا لا يجوز لإنسان أن يقول فى القرآن إلا بما وصل إليه من طريقهم، غاية الأمر أنهم جوَّزوا لمن أخلص حبه وانقياده لله ولرسوله ولأهل البيت، واستمد علومه من أهل البيت حتى آنس من نفسه العلم والمعرفة.. جوَّزوا لمثل هذا أن يستنبط من القرآن ما يتيسر له، لأنه بحبه لآل البيت وأخذه عنهم صار كأنه منهم، وقد قيل: "سلمان منا آل البيت".
* * *
* أثر التفسير الباطنى فى تلاعبهم بنصوص القرآن:
ولقد كان من نتائج هذا التفسير الباطنى للقرآن أن وجد القائلون به أمام أفكارهم مضطربًا بالغًا ومجالًا رحبًا، يتسع لكل ما يشاؤه الهوى وتزينه لهم العقيدة، فأخذوا يتصرَّفون فى القرآن كما يحبون، وعلى أى وجه يشتهون، بعد ما ظنوا أن العامة قد انخدعت بأوهامهم وسلَّموا بأفكارهم ومبادئهم.
فقالوا - مثلًا - إنَّ من لطف الله تعالى أن يشير بواسطة المعانى الباطنة لبعض الآيات إلى ما سيحدث فى المستقبل من حوادث، ويعدون هذا من وجوه إعجازه، ثم يُفرِّعون على هذه القاعدة ما يشاؤه لهم الهوى، وما يزينه فى أعينهم داعى العقيدة وسلطانها، فيقولون مثلًا فى قوله تعالى فى الآية [١٩] من سورة الانشقاق: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبقٍ﴾: إنه إشارة إلى أن هذه الأُمة ستسلك سبيل مَن كان قبلها من الأُمم فى الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء.
كذلك مكَّن لهم القول بباطن القرآن من أن يقولوا: إن اللَّفظ الذى يراد به العموم ظاهرًا، كثيرًا ما يراد به الخصوص بحسب المعنى الباطن، فمثلًا لفظ "الكافرون" الذى يُراد به العموم، يقولون: هو فى الباطن مخصوص بمن كفر بولاية علىّ.
كما مكَّنهم أيضًا من أن يصرفوا الخطاب الذى هو موجَّه فى الظاهر إلى الأُمم السابقة أو إلى أفراد منها، إلى مَن يصدق عليه الخطاب فى نظرهم من هذه الأُمة بحسب الباطن، فمثلًا قوله تعالى فى الآية [١٥٩] من سورة الأعراف: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .. يقولون فيه: قوم موسى فى الباطن هم أهل الإسلام.
ولقد مكَّنهم أيضًا من أن يتركوا أحيانًا المعنى الظاهر ويقولوا بالباطن وحده، كما فى قوله تعالى فى الآيتين [٧٤-٧٥] من سورة الإسراء: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا
2 / 24